من الليرة إلى القطع الأجنبي.. تحول جديد في سوق التأمين السوري

فارس الرفاعي-عروبة:

يمثل السماح لشركات التأمين المرخصة في سورية بإصدار عدد من وثائق وعقود التأمين بالقطع الأجنبي تحولاً مهماً في الإطار التنظيمي لقطاع التأمين، في وقت يشهد فيه الاقتصاد السوري إعادة ترتيب لعدد من الأدوات والسياسات الناظمة للتعاملات المالية والنقدية.

ويأتي القرار رقم 1308 لعام 2026، الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، ليمنح شركات التأمين العاملة وفق الأطر القانونية المعتمدة إمكانية إصدار مجموعة من الوثائق التأمينية بالعملات الأجنبية، ضمن مجالات ترتبط بطبيعتها بتكاليف أو التزامات خارجية مقوّمة بالقطع الأجنبي.

ولا تقتصر أهمية الخطوة على السماح باستخدام عملة أجنبية في تسعير بعض المنتجات التأمينية، بل تتصل أيضاً بقدرة شركات التأمين على إدارة المخاطر والتزاماتها المالية بصورة أكثر انسجاماً مع طبيعة بعض الأخطار التي تغطيها، ولا سيما تلك المرتبطة بالعلاج خارج البلاد، والسفر، والمشاريع الكبرى، والتجارة الدولية وإعادة التأمين.

ما الذي يشمله القرار؟

ويفتح القرار المجال أمام شركات التأمين المؤهلة لتقديم منتجات تأمينية مقوّمة بالقطع الأجنبي ضمن المجالات التي تسمح بها الضوابط الناظمة، ومن أبرزها:

التأمين الصحي خارج سورية: بما يشمل التغطيات المتعلقة بالعلاج والعمليات الجراحية والرعاية الطبية في الخارج، حيث تكون معظم الالتزامات المالية مقوّمة بالعملات الأجنبية.

وتأمين السفر: وهو من المنتجات التي ترتبط بطبيعتها بنفقات خارج الحدود، مثل النفقات الطبية الطارئة والمساعدة أثناء السفر وغيرها من التغطيات ذات الطابع الدولي.

والتأمين الهندسي والمشاريع الكبرى: ولا سيما المشاريع التي تتضمن معدات وتجهيزات أو عقوداً مع جهات خارجية، أو تحتاج إلى تغطيات وإعادة تأمين من أسواق دولية.

وتأمين النقل والشحن والبضائع والأخطار التخصصية: وهي قطاعات ترتبط بدرجة كبيرة بالتجارة الخارجية وسلاسل الإمداد والتعاملات المقوّمة بالعملات الأجنبية.

وتبقى الاستفادة من هذه الآلية مرتبطة بالضوابط والشروط التي تحددها الجهات الرقابية المختصة، وبمدى التزام شركات التأمين بالقواعد الناظمة لنشاطها.

 ووفق محللين اقتصاديين تنبع أهمية القرار بصورة أساسية من وجود فجوة بين عملة الإيرادات التأمينية المحلية وطبيعة بعض الالتزامات التي تتحملها شركات التأمين.

ففي عدد من أنواع التأمين، قد تحصل الشركة على أقساطها بالعملة المحلية، بينما تكون بعض تكاليفها الأساسية بالقطع الأجنبي، سواء تعلق الأمر بتعويضات تدفع خارج البلاد، أو بخدمات طبية دولية، أو بتكاليف إعادة التأمين، أو بقطع وتجهيزات وخدمات مرتبطة بمشاريع ومخاطر دولية.

وفي هذه الحالة، فإن السماح بتسعير وإصدار الوثيقة بالعملة الأجنبية يمكن أن يوفر تطابقاً أفضل بين الأصول والالتزامات، ويحد من المخاطر الناتجة عن تقلبات سعر الصرف.

إعادة التأمين.. أحد أبرز محاور القرار

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى سوق إعادة التأمين ، فشركات التأمين لا تحتفظ عادةً بكامل الأخطار الكبيرة ضمن محافظها، وإنما تلجأ إلى شركات إعادة التأمين لتوزيع المخاطر، خصوصاً في القطاعات التي تتجاوز فيها قيمة الخطر قدرة الشركة المحلية على تحمله بمفردها.

وتكون عقود إعادة التأمين في كثير من الحالات مرتبطة بالأسواق الدولية وبعملات أجنبية. ومن هنا، فإن وجود أقساط والتزامات تأمينية مقوّمة بالعملة نفسها أو بعملة متوافقة مع التزامات إعادة التأمين يمكن أن يجعل إدارة هذه العمليات أكثر وضوحاً وكفاءة، ويخفف من مخاطر عدم التوافق بين العملات.

كما أن تطوير سوق إعادة التأمين يمثل عاملاً مهماً في قدرة شركات التأمين المحلية على قبول أخطار أكبر، وهو ما يمكن أن يكتسب أهمية إضافية مع توسع النشاط الاقتصادي وعودة المشاريع الاستثمارية والإنشائية والتجارية.

خطوة باتجاه تطوير أدوات السوق المالية

ومن زاوية أوسع، يمكن النظر إلى القرار باعتباره جزءاً من مسار يهدف إلى تطوير الأدوات المالية المتاحة أمام الشركات والمتعاملين في الاقتصاد السوري.

فإتاحة التعامل بالقطع الأجنبي ضمن قنوات قانونية ومنظمة في قطاعات محددة قد تساعد على نقل جزء من النشاط الذي يحتاج بطبيعته إلى العملات الأجنبية من التعاملات غير المنظمة إلى القنوات الرسمية، شريطة وجود آليات واضحة للتحويل والتسوية والرقابة والإفصاح.

وهنا تبرز أهمية التنسيق بين هيئة الإشراف على التأمين، والجهات النقدية والمصرفية، وشركات التأمين، وشركات إعادة التأمين، بما يضمن أن يتحول القرار من مجرد تعديل في آلية إصدار الوثيقة إلى أداة عملية لتطوير السوق وإدارة المخاطر المالية بصورة أكثر كفاءة.

وتحتاج الاستثمارات والمشاريع الكبرى، وخاصة المشاريع ذات المكوّن الخارجي، إلى بيئة تأمينية قادرة على التعامل مع مخاطر تتجاوز الحدود المحلية.

فعلى سبيل المثال، قد يرتبط مشروع استثماري بمعدات مستوردة، أو مقاول أجنبي، أو تمويل خارجي، أو عقود توريد دولية، أو التزامات بالدولار أو اليورو. وفي مثل هذه الحالات، تصبح قدرة شركة التأمين المحلية على إصدار تغطية مقوّمة بعملة أجنبية عاملاً مساعداً في تصميم هيكل تأميني يتوافق بصورة أكبر مع طبيعة المشروع.

ومن شأن ذلك، في حال ترافق مع تطوير منتجات تأمينية متخصصة وتحسين خدمات تسوية المطالبات وإعادة التأمين، أن يعزز قدرة السوق المحلية على استيعاب جزء أكبر من احتياجات المستثمرين والشركات.

ومن المتوقع أن يفتح القرار أمام شركات التأمين مساحة أوسع لتنويع منتجاتها ومصادر إيراداتها، ولا سيما الشركات القادرة على تطوير منتجات موجهة إلى العملاء الذين لديهم التزامات أو مصالح مالية خارج سورية.

كما يمكن أن يؤدي إلى زيادة المنافسة بين الشركات، ليس فقط على مستوى الأسعار، وإنما أيضاً في مجالات جودة التغطية، وسرعة تسوية المطالبات، والخدمات الإلكترونية، وإدارة المخاطر، وشبكات مقدمي الخدمات الطبية، والقدرة على الوصول إلى أسواق إعادة التأمين الدولية.

ورغم الأهمية التنظيمية والاقتصادية للقرار، فإن نجاحه لا يرتبط بمجرد السماح بإصدار الوثائق بالقطع الأجنبي، وإنما بمدى قدرة السوق على توفير البيئة اللازمة لتطبيقه.

ومن أبرز التحديات التي قد تواجه الشركات: إدارة مخاطر السيولة والعملات، وتوفير احتياطيات كافية، وضمان القدرة على تسديد المطالبات، والحفاظ على مستويات ملاءة مناسبة، إضافة إلى تأمين قنوات مصرفية فعالة لتحويل وتسوية الأموال المرتبطة بهذه العقود.

كما أن توسع سوق التأمين بالقطع الأجنبي يحتاج إلى قواعد واضحة بشأن التسعير، والتحصيل، والتعويض، والاحتفاظ بالمخاطر، وتحويل الأقساط إلى معيدي التأمين، والإفصاح المحاسبي، والرقابة على حركة الأموال.

وبالتالي، فإن التحدي أمام قطاع التأمين خلال المرحلة المقبلة سيكون في تحويل الإطار التنظيمي الجديد إلى منتجات حقيقية وقابلة للتطبيق، مع الحفاظ على الملاءة والشفافية وحماية حقوق حملة الوثائق، بما يجعل الانفتاح على العملات الأجنبية أداة لتوسيع السوق وتعزيز استقراره، وليس مجرد تغيير في آلية التسعير.