من "الكُبر" إلى شاطئ طرطوس: اعتراف إسرائيلي يسقط القناع عن أسرار عملية الكوماندوز الحرج

فارس الرفاعي-عروبة:

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت في كتاب جديد أن قوات الكوماندوز الإسرائيلية اغتالت جنرالاً سورياً كبيراً في عام 2008، منهياً بذلك ما يقرب من عقدين من الصمت الرسمي حول عملية نُسبت طويلاً إلى إسرائيل ولكن لم يتم الاعتراف بها علناً.

 وقتل العميد "محمد سليمان" كبير مستشاري بشار الأسد، في الأول من أغسطس/آب 2008، بينما كان يتناول العشاء في منزله الصيفي المطل على البحر بالقرب من مدينة طرطوس الساحلية السورية، وذلك وفقًا لمقتطف من كتاب أولمرت الذي تداولت مضمونه وسائل إعلام غربية في الثاني من سبتمبر/أيلول.

 وأُصيب سليمان في رأسه وعنقه وتوفي بعد ذلك بوقت قصير. وكانت إسرائيل موضع شبهة واسعة النطاق لتنفيذ عملية القتل، لكنها لم تعلن مسؤوليتها قط.

 وكتب أولمرت في كتابه المذكور: "كان سليمان وضيوفه يجلسون على الشرفة، فاقترب الجنود متخفين في الظلام لمسافة 150 متراً من جانبي الشرفة، وتأكدوا

من هويته. ورغم وجود عدد لا بأس به من الناس على الشاطئ، لم يلاحظهم أحد."

 "عندما صدر الأمر، أُطلقت ثلاث رصاصات على سليمان، أصابت مؤخرة رأسه"،    وبعد ذلك مباشرة، تراجع الجنود إلى الساحل، في طريقهم إلى القارب الذي أقلّهم".

 وبحسب أولمرت كان سليمان القوة الدافعة وراء مفاعل الكبر النووي السوري في دير الزور، والذي دمرته إسرائيل في غارة جوية في سبتمبر/أيلول 2007 عُرفت في إسرائيل باسم عملية "خارج الصندوق". ولم تعترف إسرائيل علناً بمسؤوليتها عن تلك الغارة إلا في عام 2018.

  ووصف سليمان بأنه "أقرب المقربين إلى رأس النظام البائد وصديقه المقرب"، وهو ضابط عسكري سوري سابق ينتمي، مثل الأسد، إلى الأقلية العلوية في البلاد.

 وكان سليمان يحتفظ بمكتب في القصر الرئاسي بالقرب من مكتب الأسد،  

 وكتب أولمرت: "كان سليمان مسؤولاً عن العملية اللوجستية بأكملها المحيطة ببناء المفاعل. لقد سيطر على دخول المواد وتأكد شخصياً من عدم الكشف عن غرضها وطبيعتها. كان له يد في كل شيء".

 وكتب أولمرت أنه قبل شهر من الضربة الإسرائيلية على المفاعل، أعطى الأسد سليمان سيارة مرسيدس جديدة تقديراً لمساهمته في المشروع.

 والتزمت حكومة الأسد الصمت إلى حد كبير بعد عملية الاغتيال. وكان حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني آنذاك، من بين الشخصيات الإقليمية البارزة القليلة التي تناولت الأمر علناً، حيث صرّح بعد أشهر بأن إسرائيل هي المسؤولة، وربط عملية الاغتيال بدور سليمان في حرب لبنان الثانية عام 2006 بين إسرائيل

وحزب الله.

 وأشارت تقارير غربية إلى أنه كان حلقة وصل بين الأسد وحزب الله، ومسؤولاً تحديداً عن تزويد الجماعة بالأسلحة.

 و قبل سنوات من صدور كتاب أولمرت ظهرت أدلة تشير إلى مسؤولية إسرائيل علنًا

  ففي عام 2015، نشر موقع "ذا إنترسبت" ما وصفه بوثائق استخباراتية أمريكية أصلية تُشير إلى أن العملية نُفذت من قبل "شاييت 13"، وهي وحدة الكوماندوز البحرية النخبوية التابعة للبحرية الإسرائيلية.

 ووُصفت الوثائق، التي سربها إدوارد سنودن، المبلغ عن المخالفات في وكالة الأمن القومي، في ذلك الوقت بأنها أول تأكيد رسمي على أن قتل سليمان كان عملية إسرائيلية، مما يقوض التكهنات بأنه تم اغتياله وسط صراع داخلي على السلطة في سوريا.

مشتبه به فوري وواضح

 وفي عام ٢٠١٠، أفادت صحيفة الغارديان بأن السلطات السورية تشتبه في تورط إسرائيل في عملية الاغتيال، رغم أن دمشق لم توجه اتهاماً علنياً لإسرائيل. واستند هذا التقرير إلى برقية دبلوماسية أمريكية نشرها موقع ويكيليكس لاحقاً.

وكانت السفارة الأمريكية في دمشق قد أرسلت البرقية إلى وزارة الخارجية بعد يومين من اغتيال سليمان وذكرت البرقية أن "أجهزة الأمن السورية قامت بسرعة بتطويق وتفتيش الحي الساحلي بأكمله حيث وقع إطلاق النار".

 وأشارت البرقية إلى أن إسرائيل برزت كمشتبه به فوري وواضح، موضحةً أن مسؤولي الأمن السوريين كانوا على دراية تامة بأن مدينة طرطوس الساحلية على البحر الأبيض المتوسط ​​ستوفر للعملاء الإسرائيليين وصولاً أسهل من المواقع

الداخلية مثل العاصمة دمشق. كما أشارت إلى أن سليمان لم يكن شخصية عامة معروفة على نطاق واسع، وأن استخدام قناص على ما يبدو يوحي بأن من نفذ عملية القتل كان لديه معلومات استخباراتية كافية لتحديد هويته من مسافة بعيدة.

 ووصفت وثيقة أمريكية سرية كُتبت قبل عدة أشهر سليمان بأنه "مستشار خاص للأسد لشؤون الأسلحة الاستراتيجية وشراء الأسلحة".

وتزامن هذا الإفصاح مع إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية إغلاق ملف تحقيقاتها الممتد بشأن الأنشطة النووية السورية، بعد العثور على 73 طناً مترياً من اليورانيوم الطبيعي غير المخصب مرتبطة ببرنامج "الكيبر".