بين عتمة السجن وفقدان الحواس.. المعتقل السوري ماهر الأحمد يخوض رحلة الموت البطيء في سجن رومية
فارس الرفاعي-عروبة:
في زنزانة ضيقة داخل سجن رومية المركزي في لبنان، لم يعد الوقت يُقاس بالساعات أو الأيام بالنسبة للمعتقل السوري ماهر كلال الأحمد، بل بقطرات الدم التي تنزف من عينيه كل بضعة أيام، وبالصمت الثقيل الذي يخلفه فقدان السمع والحركة. ثمانية وعشرون شهراً مرت على توقيفه دون أن تطأ قدمه قاعة محكمة أو تُتاح له فرصة الدفاع عن نفسه، ليتحول ملفه القضائي إلى طيّ النسيان، ويتحول جسده إلى ساحة لمضاعفات التعذيب والإهمال الطبي المتواصل.
وينحدر الأحمد (44 عاماً) من ريف حلب، وكان يقيم في منطقة سهل الغاب قبل أن تنتهي به الأقدار موقوفاً لدى أحد الأجهزة الأمنية اللبنانية. هناك، وتحت وطأة التحقيق والتعذيب القاسي، فقد الرجل بصره بشكل كامل، وبات يعاني من عَرَض مرضي نادِر ويشكل خطراً على حياته، والمتمثل في نزيف دموي متكرر من العينين كل أربعة أو خمسة أيام.
جلطة دماغية
ولم تتوقف الفاجعة عند هذا الحد؛ إذ تعرض لجلطة دماغية داخل مراكز الاحتجاز أدت إلى شلل كامل في شقه الأيمن (اليد والساق)، إلى جانب فقدان السمع في أذنه اليمنى، وصداع مزمن لا يفارقه، وسط غياب تام لأي شكل من أشكال الرعاية التمريضية أو العلاج الفيزيائي.
وتأتي قضية الأحمد لتعيد تسليط الضوء على الواقع المأساوي الذي يعيشه نزلاء سجن رومية المركزي، والذي يعاني منذ سنوات من اكتظاظ خانق وتراجع حاد في الخدمات الطبية والصحية وتأمين الأدوية الأساسية. وتؤكد تقارير حقوقية متطابقة أن مئات الموقوفين يقبعون خلف القضبان لفترات تتجاوز الأطُر القانونية للتوقيف الاحتياطي المنصوص عليها في المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، وسط بطء في الإجراءات القضائية وتأجيل متكرر للجلسات.
وفي حالة ماهر الأحمد، تزداد المعاناة تعقيداً بسبب العزلة التامة وغياب ذويه، حيث لا يوجد من يتابع ملفه القانوني لدى المراجع المختصة أو يُؤمن له الحد الأدنى من المستلزمات الشخصية والاحتياجات الطبية الخاصة داخل السجن.
دعوات عاجلة للتحرك
أمام هذا التدهور الصحي الحرج، تحولت حالة المعتقل إلى قضية رأي عام وإنسانية طارئة طالب ناشطون حقوقيون بتحرك عاجل من خلال مطالبة وزارة الخارجية والجهات الرسمية المعنية بالتواصل المباشر مع السلطات اللبنانية لمتابعة الملف القانوني للمعتقل، والعمل على إنهاء توقيفه دون محاكمة، وتسهيل نقله إلى سوريا أو ترتيب إخلائه لتلقي العلاج.
ونقل المعتقل بشكل فوري إلى مستشفى متخصص للكشف عن أسباب النزيف الدماغي والعيوني المتكرر، وتوفير العلاج الفيزيائي اللازم للحد من تبعات الشلل النصفي.
كما دعوا اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) والمفوضية السامية لحقوق الإنسان لزيارة المعتقل في سجن رومية، وتوثيق الانتهاكات الصحية والقانونية التي تعرض لها، لضمان تطبيق المعايير الأدنى لمعاملة السجناء وفق الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية مناهضة التعذيب.
ولعل حالة ماهر كلال الأحمد لم تعد مجرد ملف احتجاز روتيني في أروقة المحاكم، بل أصبحت اختباراً حقيقياً للضمير الإنساني ولتطبيق المواثيق الدولية، حيث ينذر استمرار التغاضي عن حالته بفقدان ما تبقى من حياته خلف جدران الصمت.












