من «إكس ميديا» إلى واشنطن.. كيف كشفت البيانات الرقمية خيوط شبكة إعلامية وسياسية سورية؟
فارس الرفاعي-عروبة:
لم تعد معركة التأثير في المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد مقتصرة على وسائل الإعلام التقليدية أو منصات التواصل الاجتماعي، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى فضاءات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الشركات الإعلامية مع المنظمات المدنية وجماعات الضغط ومراكز التأثير في العواصم الغربية.
وفي هذا السياق، يفتح تحقيق نشرته منصة «إيكاد» في 27 سبتمبر/أيلول 2026 ملفاً يبدأ من حساب على منصة «إكس» يحمل اسم «إكس ميديا»، وينتهي عند شبكة من الشركات والمنظمات التي تنشط إعلامياً وسياسياً في الولايات المتحدة. ويعتمد التحقيق بصورة أساسية على تتبع الأرشيف الرقمي، ومعرّفات الحسابات، وسجلات المواقع الإلكترونية، وبيانات الشركات، إلى جانب وثائق مرتبطة بقانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة (FARA).
ولا تكمن أهمية هذه القصة في حساب واحد بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يمكن من خلالها للهوية الرقمية القديمة أن تقود إلى شبكة أوسع من العلاقات المهنية والمؤسساتية، خصوصاً عندما تبقى البيانات التقنية للحساب ثابتة رغم تغير الاسم والصورة والمحتوى.
حساب واحد.. ثلاث هويات
وبحسب التحقيق، يعود إنشاء حساب «إكس ميديا» إلى فبراير/شباط 2016، لكنه مر بثلاث هويات رئيسية. بدأ باسم المستخدم «hanaa_alsaleh1»، ثم تحول إلى «story_of_syria»، قبل أن يستقر لاحقاً على «X_news_media» في مارس/آذار 2025.
واللافت أن هذه التحولات لم تكن تعني إنشاء حسابات منفصلة، إذ بقي معرف المستخدم الداخلي للحساب نفسه ثابتاً، وهو رقم لا يتغير عادة عند تبديل الاسم الظاهر للحساب. ويرى التحقيق أن ثبات هذا المعرّف يوفر خيطاً تقنياً يربط الهويات المختلفة ببعضها.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع ما كشفه أرشيف الحساب من روابط سابقة إلى صفحات مرتبطة بالصحفية السورية هناء الصالح، قبل أن يحل موقع «Qmedia.one» محل الرابط القديم. كما قاد تتبع منشورات قديمة إلى حساب فيسبوك استخدمته الصالح باسمها، قبل أن تتغير هويته لاحقاً إلى اسم «ريم الخوري»، وفق ما أورده التحقيق.
ويستند التحقيق في الربط بين الحسابين إلى عناصر رقمية، من بينها منشورات قديمة وعمليات وسم «Tag» بقيت مرتبطة بالحساب ذاته رغم تغير الاسم الظاهر. وهذه الطريقة في التحقق مهمة في التحقيقات الرقمية، لأنها تسمح بتتبع تاريخ الحساب بعيداً عن هويته الحالية.
من «ستوري سوري» إلى «Qmedia»
ةقاد المسار الثاني للتحقيق إلى شركة «Cue Media»، التي يشير التحقيق إلى أنها كانت مرتبطة بالموقع «Qmedia.one»، وتقدم نفسها كشركة متخصصة في التسويق وصناعة المحتوى الرقمي، وتتفرع عنها منصات متعددة، بينها «Q Business» و«Q Sport» و«Q Podcast» و«Q Street Journal» و«Q Reels».
ومن بين هذه المنصات ظهرت صفحة تحمل اسم «ستوري سوري»، وهو الاسم نفسه الذي استخدمه حساب «إكس ميديا» لسنوات. كما استضاف «Q Podcast» هناء الصالح في لقاء مصور عام 2024، وهو ما يراه التحقيق مؤشراً إضافياً على وجود صلات مهنية أو تشغيلية بين هذه الأطراف.
وتظهر أهمية هذه الروابط عند الانتقال من مستوى الحسابات الشخصية إلى طبيعة عمل الشركة وعملائها قبل سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024.
المصالح الاقتصادية وعلاقة ما قبل السقوط
ووفق البيانات التي أوردها التحقيق، ضمت قائمة عملاء «Qmedia» شركات ومؤسسات سورية كان لها ارتباط برجال أعمال مقربين من عائلة الأسد.
ومن بين الأسماء الواردة «الشركة السورية للكابلات»، التي يربطها التحقيق برجل الأعمال سامر الفوز، إضافة إلى «البنك السوري الدولي الإسلامي» وشركة «SEA Motors». ويشير التحقيق إلى أن بعض هذه الجهات أو الأشخاص المرتبطين بها كانوا مدرجين على قوائم عقوبات أمريكية وأوروبية في مراحل سابقة.
ولا يعني التعامل التجاري مع مؤسسة أو شركة، بحد ذاته، إثبات تبعية سياسية أو أمنية لها؛ إلا أن تراكم العلاقات التجارية والإعلامية يصبح، بحسب التحقيق، جزءاً من الصورة التي يحاول رسمها حول موقع «Qmedia» في البيئة الاقتصادية والإعلامية للنظام السابق.
وتعزز هذه الصورة واقعة أخرى أوردها التحقيق، إذ بقيت إحدى منصات الشركة، «Q Street Journal»، تنشر حتى الأيام الأخيرة قبل سقوط النظام، وكان آخر منشور أشار إلى رواية رسمية عن الوضع العسكري والأمني في البلاد بتاريخ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
ما بعد سقوط النظام: شركة جديدة وشبكة جديدة
والتحول الأبرز في القصة يبدأ بعد سقوط الأسد. فبحسب التحقيق، كانت ريم السمان تشغل منصب المديرة التنفيذية في «Qmedia» منذ سبتمبر/أيلول 2019 وحتى ديسمبر/كانون الأول 2024، ثم أسست في مارس/آذار 2025 شركة جديدة باسم «EYEDIA».
وتعرّف الشركة نفسها بأنها تعمل في إدارة الحملات الرقمية وتنظيم جلسات إحاطة في الكونغرس الأمريكي، بهدف تعزيز الحوار الدبلوماسي والتأثير في السياسات المتعلقة بحقوق الإنسان.
وتشير قائمة الشراكات المنشورة إلى تعاون «EYEDIA» مع عدد من المنظمات التي ظهرت بعد سقوط النظام، من بينها «إنماء سوريا الغربية»، و«Ethnikos»، و«DGPAC»، و«Druze Global»، و«Druze Nexus»، إلى جانب منصات إعلامية سورية أخرى.
وتقول «إنماء سوريا الغربية» عن نفسها إنها تعمل للدفاع عن حقوق المجتمعات والأقليات السورية، وتؤكد في منشوراتها الرسمية تعاونها مع شركة «Tiger Hill Partners» في مجال الاتصالات الاستراتيجية والعلاقات الحكومية. كما أعلنت المنظمة في أغسطس/آب 2026 أنها تعمل ضمن إطار قانون FARA وأنها مستمرة في نشاطها داخل واشنطن.
من الإعلام إلى الكونغرس
وبحسب التحقيق ذاته، انتقل نشاط هذه الشبكة من الفضاء الرقمي إلى المؤسسات السياسية الأمريكية خلال عام 2026، عبر أربع جلسات إحاطة مرتبطة بقضايا الأقليات السورية.
وتناولت هذه الاجتماعات موضوعات مختلفة، من بينها حماية الأقليات، وأحداث الساحل والسويداء، والحكم الذاتي واللامركزية، واتهامات بوقوع انتهاكات ضد مدنيين. ويشير التحقيق إلى أن بعض المشاركين تبنوا طرح الحكم الذاتي، في حين عبّر آخرون، داخل إحدى الجلسات نفسها، عن مواقف مختلفة تؤكد تفضيل دولة مدنية أو علمانية وتنفي الدعوة إلى الانفصال.
ولعل هذه النقطة تكشف أن المشهد ليس كتلة سياسية واحدة متجانسة، حتى بين الجهات التي تشارك في الفعاليات نفسها؛ فطرح حماية الأقليات لا يعني بالضرورة تبني مشروع الانفصال، كما أن المطالبة باللامركزية لا تتطابق تلقائياً مع الدعوة إلى التقسيم.
عقد الضغط السياسي
ومن أكثر أجزاء التحقيق حساسية ما يتعلق بوثائق تسجيل منظمة «إنماء سوريا الغربية» بموجب قانون FARA الأمريكي، وهو القانون الذي يفرض الإفصاح عن العلاقات والأنشطة التي يقوم بها أشخاص أو جهات في الولايات المتحدة نيابة عن مصالح أجنبية.
ويقول التحقيق إنه عثر على وثيقة تسجيل تعود إلى أغسطس/آب 2025، تتعلق بتمثيل المنظمة من قبل شركة «Tiger Hill Partners». كما أشار إلى عقد مالي يتضمن مبالغ شهرية مقابل التواصل مع صانعي القرار الأمريكيين بشأن حماية الأقليات السورية.
وتؤكد المنظمة نفسها وجود العلاقة مع «Tiger Hill Partners»، وتصفها بأنها شراكة استراتيجية تهدف إلى تطوير الاتصالات والعلاقات الحكومية وإيصال قضايا المجتمعات السورية إلى صانعي القرار.
وفي المقابل، ذكرت تقارير صحفية استندت إلى وثائق أمريكية أن المنظمة تعاقدت مع الشركة الأمريكية في إطار نشاط ضغط سياسي، فيما أشارت مصادر أخرى إلى ارتباط المشروع بشخصيات من النظام السابق؛ وهي ادعاءات تبقى بحاجة إلى التمييز بين ما تثبته الوثائق القانونية وما تستنتجه التحقيقات الصحفية من شبكة العلاقات.
اسم «محمد شعبان» في قلب الشبكة
ويبرز في التحقيق اسم محمد شعبان بوصفه حلقة أخرى في هذه السلسلة. فبحسب البيانات التي أوردتها «إيكاد»، كان شعبان يشغل منصب المدير العام لـ«Qmedia»، ثم ظهر اسمه ممثلاً عن «إنماء سوريا الغربية» في المراسلات المتعلقة بعقد الضغط في واشنطن.
كما أشار التحقيق إلى ظهور الاسم نفسه في سياق البحث العكسي عن رقم هاتف ارتبط سابقاً بحساب هناء الصالح على فيسبوك. ويرى التحقيق أن تكرار الاسم في هذه المسارات المختلفة يمثل مؤشراً إضافياً على وجود اتصال بين الدائرة الإعلامية القديمة والشبكة التي ظهرت بعد سقوط النظام.
لكن هذه النقطة، شأنها شأن بقية الروابط الرقمية، تحتاج إلى قراءة حذرة؛ فالتطابق في الأسماء أو أرقام الاتصال يمكن أن يكون قرينة بحثية، لكنه لا يشكل وحده دليلاً قضائياً على طبيعة العلاقة أو على وجود إدارة مركزية موحدة للشبكة.
شبكة نفوذ تتغير أدواتها
وتكشف القضية، في صورتها الأوسع، عن تحول مهم في أدوات العمل السياسي والإعلامي السوري في مرحلة ما بعد سقوط النظام. فبدلاً من الاعتماد على مؤسسة واحدة ذات خطاب سياسي واضح، تظهر منظومة متعددة الواجهات: حسابات ومنصات إعلامية، شركات محتوى وتسويق، منظمات تقول إنها تدافع عن الأقليات، وشركات علاقات عامة وضغط تعمل داخل واشنطن.
والمهم هنا ليس فقط مضمون الخطاب، وإنما البنية التي تسمح له بالانتقال من منشور على منصة اجتماعية إلى حملة إعلامية، ثم إلى إحاطة داخل الكونغرس أو تواصل مباشر مع مكاتب المشرعين.
وتشير المعطيات التي جمعتها «إيكاد» إلى وجود صلات مهنية وتقنية وشخصية بين أجزاء من هذه المنظومة، فيما تؤكد «إنماء سوريا الغربية» علناً أنها تمارس نشاطاً سياسياً وحقوقياً في واشنطن ضمن إطار قانوني أمريكي معلن.
وبذلك، فإن القضية لا تتعلق بحساب «إكس ميديا» وحده، بقدر ما تطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة الشبكات التي تشكلت بعد التحول السياسي في سوريا، وكيف يمكن للمؤسسات الإعلامية والشركات والمنظمات المدنية وجماعات الضغط أن تتقاطع في إنتاج خطاب واحد أو متقارب.
وفي بلد يعيش مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تصبح القدرة على التمييز بين العمل الإعلامي المستقل، والنشاط السياسي المنظم، والضغط المشروع المسجل قانونياً، وبين محاولات إعادة تدوير شبكات النفوذ القديمة، مسألة أساسية لفهم المشهد الجديد.
والخلاصة التي يمكن الوصول إليها هي أن الوثائق والمعطيات المنشورة ليست حكماً نهائياً على جميع الأطراف الواردة في التحقيق، وإنما أن ثمة شبكة علاقات تستحق التدقيق والمتابعة، تمتد من هويات رقمية قديمة إلى شركات إعلامية، ثم إلى منظمات تنشط في ملف الأقليات السورية، وصولاً إلى ممارسة الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة. وتبقى طبيعة هذه الروابط ومدى تنسيقها الفعلي، وكذلك المسؤوليات الفردية لكل طرف، مسائل ينبغي فصلها بدقة عن الاستنتاجات التي تبنيها التحقيقات الصحفية عليها.












