تجار الوهم في زمن الحرب: كيف تحوّلت الشعوذة في سوريا إلى صناعة بالملايين وسلاح يفتك بالضحايا؟

فارس الرفاعي-عروبة:

تلاشت الحدود الفاصلة بين الجهل والفاقة، ولم تعد سراديب السحر والشعوذة حكراً على بيوت مظلمة تفوح منها روائح البخور والزعفران؛ بل تحولت في سوريا المنهكة من ويلات الحرب إلى شبكات منظمة، تجني الملايين وتخترق الجغرافيا السورية من شمالها إلى جنوبها، مستغلة حالة الفقد والفقر وانعدام الأمل.

من جغرافيا النفوذ المتعددة في البلاد، تتكشف روزنامة الأمن اليومي عن ضبط شبكات ومشعوذين يمارسون النصب والاحتيال، بل ويرتكبون جرائم تصل إلى حد القتل العمد تحت ذريعة "علاج الأمراض" أو "طرد الجان".

الموت بالصدمات الكهربائية.. جناية تحت ستار "العلاج"

وتتجسد أبشع صور هذه الظاهرة في قصة الشاب "محمود" (29 عاماً - اسم مستعار) من مدينة حمص. بعد معاناة مع اكتئاب حاد لم تسعفه منه الرعاية النفسية المتاحة، وجد أهل الشاب ضالتهم في أدعياء العلاج الروحي.

تطوّع أحد المشعوذين لـ "إخراج الجان من جسد محمود". وبمساعدة الأهل وأحد الجيران الذين قاموا بتثبيت الشاب، انهال عليه الدجال ضرباً وتعذيباً بصدمات كهربائية متتالية. وعندما خارت قواهم وظنوا أنه استكان للنوم عقب خروج "الجن"، كان محمود قد فارق الحياة. وأثبت التقرير الطبي في المشفى الوطني بحمص أن الجثة أضحت متفحمة بفعل الصدمات الكهربائية، مع وجود ثقوب في الرقبة، وكسور في الأضلاع والركبة، واحتقان في الأمعاء؛ إذ لم يخلُ شبر من جسده من أثر عصا أو لسعة كهرباء.

هذه الجريمة ليست مجرد حادثة فردية، بل نموذج متكرر للاستغلال الذي يودي بأرواح المرضى الذين تقودهم عائلاتهم إلى الموت تحت تأثير الخرافة.

شبكات عابرة للحدود واحتيال رقمي

لم تَعُد ممارسة الشعوذة تقتصر على النطاق المحلي المباشر، بل واكبت التطور التكنولوجي وشكّلت شبكات عابرة للحدود الوطنية ففي شمال حلب (جرابلس): ألقى قسم مكافحة الاتجار بالبشر في مديرية الأمن الداخلي بمنطقة جرابلس القبض على ستة أشخاص، بينهم ثلاث نساء خلال الساعات الماضية، بعد عمليات متابعة ورصد لنشاطهم في ممارسة أعمال السحر واستدراج الضحايا. وُضبطت بحوزتهم وثائق وأدوات مرتبطة بهذه الأعمال، وأُحيلوا إلى القضاء المختص.

دمشق وريفها (حي دمر والقطيفة)

 وكشفت أجهزة الأمن عن ضبط شخص يُدعى (محمود. ح) وزوجته (غ) في حي دمر، بعد الاحتيال على مواطن بمبلغ 50 مليون ليرة سورية، بعد إيهامه بالقدرة على تسفيره وتأمين عمل مربح له. واعترف المتهم بتواصله مع مشعوذة في دولة مجاورة لتعلم حيل جديدة واستدراج الضحايا. وفي القطيفة بريف دمشق، أُلقي القبض على المدعو (وليد. ص) الذي تراكمت بحوزته طلاسم وألبسة نسائية استحصل عليها بحجة "فك السحر" ومداواة الأمراض النفسية مقابل مبالغ مالية ضخمة.

الجهل ليس شرطاً: السقوط في فخ الطلاسم

وتُظهر الحقائق الميدانية أن الوقوع في شباك المشعوذين لا يقتصر على الأميين أو البسطاء، بل يمتد ليشمل فئات متعلمة ومثقفة تقع تحت ضغط الأزمات النفسية أو الاجتماعية.

من أبرز تلك الحالات، ما شهدته إحدى صيدليات دمشق؛ حيث لجأت صيدلانية تخوض نزاعاً عقارياً عائلياً إلى مشعوذ أوهَمها بقدرته على إرجاع الحقوق عبر التلاوة والطلاسم. وبعد زيارات متكررة للصيدلية، استغل الدجال ثقتها وطلب منها الخروج لإحضار بعض المواد (كالكمون والملح) بحجة قراءة تعاويذ خاصة على مصاغها الذهبي وأموالها، ليفكّ السحر المزعوم. وما إن خرجت حتى فرّ بالمصاغ والأموال، قبل أن يتم القضاء عليه بكمين محكم في شارع الثورة.

وتتقاطع هذه الواقعة مع نتائج دراسة أعدّها الدكتور محمد عبد العظيم، الخبير بمركز البحوث الجنائية بالقاهرة، والتي كشفت أن حجم الإنفاق السنوي على السحر والشعوذة في الدول العربية يتجاوز 5 مليارات دولار، بوجود أكثر من 250 ألف مشعوذ، مشيراً إلى أن الضحايا ينتمون إلى مختلف الشرائح التعليمية والاجتماعية.

ثغرة التشريع: عقوبات غير رادعة

أمام تفاقم هذه الظاهرة، يطرح مراقبون حقوقيون وعقاريون علامات استفهام حول مدى فاعلية النصوص القانونية النافذة.

وينص قانون العقوبات السوري (المادة 754) على عقوبة الحبس التكديري والغرامة لمن يتعاطى بقصد الربح مناجاة الأرواح، أو التنجيم، أو قراءة الكف، وكل ما له علاقة بعلم الغيب. إلا أن التشريع يُشترط لقيام الجرم ثبوت "قصد الربح"، كما أن العقوبات المالية المقررة قديمة للغاية (تتراوح بين 500 2000- ليرة) بحسب القيمة النقدية القديمة، مدعومة بحبس تكديري لا يتجاوز عشرة أيام (أو حتى ستة أشهر في حال التكرار).

ويرى قانونيون أن هذه الأحكام باتت غير متناسبة مطلقاً مع حجم الجرائم المرتكبة، والآثار الجسيمة التي تتسبب بها، كالنصب بمئات الملايين أو التسبب بالوفاة، مما يجعل من تعديل النصوص القانونية وتشديد العقوبات ضرورة ملحة لمنع استغلال حاجة الناس وآلامهم.

وخلاصة القول أن ظاهرة الشعوذة في الواقع السوري المعاصر لم تعد مجرد ممارسات فردية أو خرافات موروثة، بل غدت ظاهرة مركبّة تتغذى على تداعيات الفقر، والجهل ، ليبقى المواطن المحاصر بالخوف والاحتياج الضحية الأولى في شباك تجار الوهم.