محاكمة أمستردام... رصاص عشوائي يفتك بشابين سوريين ويُعرّي نظام الوصاية
فارس الرفاعي-عروبة:
تستعد المحاكم الهولندية الأسبوع المقبل لاستئناف محاكمة المشتبه به "إيفي ي." (25 عاماً)، المتهم بإنهاء حياة المراهقَين السوريين محمد نور علو ومحمد المخرازي في حادثة إطلاق نار عشوائية بمنطقة "أمستردام نيو-ويست".
وبينما تتمسك النيابة العامة بفرضية "الوجود في المكان والزمان الخطأ" إثر شجار جانبي لا علاقة للضحيتين به، تعود القضية إلى الواجهة بحدة مع الحديث الأول لعائلات القتيلين في سوريا. قضيةٌ لا تفتح ملف الجريمة فحسب، بل تضع هيئة الوصاية الهولندية "نيدوس" تحت مجهر الاتهام بالتقصير، وتكشف عن ازدواجية في التغطية الإعلامية المحلية تجاه الجرائم التي تطال اللاجئين.
وتُعيد القضية فتح ملفات شائكة تتعلق بمستوى الرقابة على المراهقين القاصرين في مراكز إيواء اللاجئين (AZC)، والجدل القائم حول التمييز الإعلامي والمجتمعي في التعاطي مع الجرائم التي تطال اللاجئين.
رصاص عشوائي في المكان والزمان الخطأ
وبحسب موقع nos الهولندي تعود تفاصيل الفاجعة إلى ليلة رأس السنة الميلادية، حين كان ثلاثة من طالبي اللجوء المراهقين يسيرون قبيل منتصف الليل في إحدى الحدائق العامة بمنطقة "أمستردام نيو-ويست" (Amsterdam Nieuw-West). وبحسب التحقيقات، انطلق نداء الرصاص فجأة وبلا مقدمات؛ فنشط أحد الصبية في النجاة بنفسه، بينما سقط الاثنان الآخران قتيلين في المكان فوراً: محمد نور علو (16 عاماً) ومحمد المخرازي (18 عاماً).
ووفق بيان للنيابة العامة الهولندية، فإن المشتبه به "إيفي ي." كان قد دخل في شجار حاد عبر مكالمة هاتفية مع أحد مشاهير "يوتيوب"، وتطور الخلاف بشكل خارج عن السيطرة، ما دفعه لإطلاق النار بشكل عشوائي ومجنون في الحديقة. وأكدت النيابة أن الصبيين لم يكونا الهدف المباشر إطلاقاً، بل كانا ضحية توجيه السلاح العشوائي ووجودهما في "الوقت الخطأ والمكان الخطأ".
"ولد بصفحة بيضاء وعاد بتابوت أبيض"
ووصل الصبيان إلى هولندا عبر مسارات وطرق منفصلة وشاقة: فمحمد نور علو (16 عاماً): جاء من أقصى الشمال السوري، وعاش في مركز إيواء اللاجئين (AZC)، حاملاً معه شغفاً كبيراً وعلماً بحلمه الأكبر: اللعب في صفوف نادي "أياكس أمستردام". يقول والده أحمد علو بأسى: "ولد هنا بصفحة بيضاء، وعاد إلينا في تابوت أبيض".
ومحمد المخرازي (18 عاماً): تنحدر عائلته من المناطق القريبة من الحدود السورية-الأردنية. خاض رحلة لجوء طويلة وقاسية عبر ليبيا وصولاً إلى أوروبا، تاركاً خلفه شقيقه التوأم. يصف والده عاطف المخرازي حرقة الفقد قائلاً: "أفتقد ابتسامة محمد.. كانت ابتسامته لا تُوصف".
وكانت عائلتا المراهقين تخططان لتأمين مستقبل تعليمي وآمن لابنيهما، على أمل أن يلحقوا بهما لاحقاً لم شمل العائلة أو العودة مستقبلاً.
وعاش أهالي الضحيتين في سوريا لحظات عصيبة حين علموا بالخبر الفاجع عن طريق المعارف والمصادفة عبر صفحات منصة "فيسبوك"، وهو ما أثار موجة غضب وعتب شديد تجاه منظمة "نيدوس" (Nidos) — الهيئة الهولندية الرسمية المسؤولة عن وصاية اللاجئين القصر غير المصحوبين بذوريهم.
اتهامات ذوي الضحيتين
وفيما اتهم عاطف المخرازي (والد محمد) المنظمة بتجاهل مسؤولياتها وعدم التعاطي مع الفاجعة بجدية. أكدت عائلة محمد علو أن الوصي التابع لـ "نيدوس" لم يتصل بهم إلا بعد مرور 10 أيام من وقوع الجريمة، وانقطع الاتصال بعد ذلك تماماً.
و يتساءل الأهالي بمرارة عن طبيعة الرقابة والإشراف داخل مراكز الإيواء (AZC): كيف يُسمح لفتية قصر بالخروج في أوقات متأخرة من الليل دون متابعة أو حماية؟
رد المنظمة
من جانبها، رفضت مؤسسة "نيدوس" هذه الاتهامات، مشيرة إلى أنها تواصلت مع العائلتين خلال أيام قليلة من الحادثة، ومؤكدة أنه من غير المناسب خوض سجالات إعلامية مع أهالي الضحايا عبر وسائل الإعلام.
وأثارت القضية ردود فعل غاضبة حول طبيعة التعاطي الإعلامي الهولندي مع الجريمة. وفي هذا السياق، عبّر بول فوغتس (Paul Vugts)، مراسل الشؤون الجنائية في صحيفة "هيت بارول" (Het Parool)، عن اندهاشه من غياب التغطية الإعلامية المكثفة والضجة الصاخبة التي عادة ما ترافق حوادث إطلاق النار التي يقع ضحيتها مراهقون.
وأشار فوغتس، أثناء وقوفه على الجسر القريب من موقع الجريمة، إلى أن الشموع والزهور التي وُضعت اختفت بسرعة، مؤكداً: "تلاحظ بوضوح أن القضية تحظى باهتمام أقل بكثير مما لو كان الضحايا مراهقين هولنديين بيضاً".
العودة الأخيرة والتطلع للعدالة
وعقب الحادثة، واجهت العائلتان قراراً صعباً بشأن مكان الدفن، واختارتا إعادة جثماني الصبيين إلى سوريا ليدفنا في مسقط رأسيهما. وتكفلت عائلة محمد بمبلغ قارب 10 آلاف يورو لنقل الجثمان، جُمِعَت عن طريق تبرعات الأصدقاء والمعارف.
ويروي شقيق محمد تفاصيل الوداع الأخير قائلاً: "أردت فقط أن أكون بجانبه.. أردت الاستمرار في تقبيله ولمسه".
ومع اقتراب الجلسة القضائية الأسبوع المقبل ضد المتهم "إيفي ي."، لا تزال العائلتان تبحثان عن إجابات تشفي غليلهما، وتستبعدان الفرضية السهلة بأن الأمر مجرد "صدفة عشوائية". ورغم علم الأهالي بأن المحاكمة لن تعيد الراحلين، إلا أن الأب عاطف المخرازي يختم قوله بالـتأكيد على أهميتها: "لن تعيد المحاكمةُ الموتى، لكنها تحفظ كرامتهم".












