عائد من «قبر إسمنتي».. سوري يتخفى طوال سنوات الحرب خلف جدار منزله هرباً من المخابرات

فارس الرفاعي-عروبة:

في واحدة من أغرب قصص النجاة من بطش المخابرات، خرج السوري "أبو زكور" إلى الحياة بعد 14 عاماً من التخفي داخل "قبر إسمنتي" بناه بيديه خلف جدار منزله. طوال هذه العقود، عاش الرجل على بُعد سنتيمترات فقط من عائلته التي اعتقدت مع الجيران أنه فارق الحياة، في حكاية صمود أسطورية أدارت تفاصيلها زوجة كتمت السر العظيم، وربّت خمسة أطفال بمفردها حتى لحظة الحرية.

 وبدأت مأساة "أبو زكور" مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث انخرط في التظاهرات السلمية المطالبة بالحرية، ونظراً لموقع منزله المستأجر الذي كان يضم مدخلين (أحدهما على الشارع والآخر على الأزقة)، حوّل بيته إلى ممر آمن لفرار المتظاهرين والشباب من مطاردات وحواجز قوات الأمن، غير أن وشاية من أحد المخبرين أدت إلى اعتقاله على يد فرع "الأمن السياسي"، ليمضي ثلاثة أشهر تحت أشكال مروعة من التعذيب الجسدي والنفسي.

 وعن تلك التجربة القاسية، يروي أبو زكور مشاهداته العيانية لانتهاكات لا تُنسى داخل المعتقل، من بينها استشهاد المعتقل عبد الله الأحمر الذي عُلّق رأساً على عقب لأكثر من شهر حتى تعفن جسده وفاضت روحه عقب الإفراج عنه،

ولم تتوقف ملاحقة النظام؛ إذ داهمت دورية أمنية منزله مستصحبة ابن عمه المعتقل "أبو أيوب" لإلقاء القبض عليه، وبفضل تحذير خاطف تلقاه من قريبه "شرحبيل"، تمكن أبو زكور من الفرار والتواري عن الأنظار لدى صديق يُدعى عبد الستار لمدة شهرين.

ويقول أبو زكور في الفيديو الذي بثه موقع " جسور نيوز" أنه مع اشتداد الخناق والخوف المتزايد لدى معارفه من إيوائه، أدرك أن خياره الوحيد للنجاة هو غياب كامل عن الأنظار، واتخذ أبو زكور قراراً غير مسبوق بالعودة سراً إلى شقة قيد الإنشاء في بنايتهم. وطلب من زوجته شراء باب حديدي و 100 بلوكة إسمنتية مع شوالات من الإسمنت والرمل، ويروي  أبو زكور أنه دخل الفتحة الضيقة، وأغلق الباب الحديدي، ثم شرع في بناء جدار من البلوك الإسمنتي من الداخل، ليغلق على نفسه المنافذ بالكامل. ولتأمين غطاء أمني كامل، استُغلت حادثة سابقة أطلقت فيها دورية أمنية النار عليه أثناء مطاردته؛ حيث شاعت في المنطقة أنباء مقتله، فأقامت زوجته مراسم عزاء بسيطة لإقناع الجميع—بمن فيهم أطفالهما الخمسة—بأنه فارق الحياة، بهدف طي ملفه لدى الفروع الأمنية نهائياً.

حارسة السر العظيم

طوال 14 عاماً، عاشت الزوجة متفردة بحمل هذا السر الثقيل الذي لم تطلع عليه أحداً، مسجلة أسمى معاني الوفاء والتضحية،  وكانت تنتظر نوم أطفالها ليلاً لتناول زوجها الطعام والشراب والماء الساخن عبر فتحة صغيرة (طاقة) جرى إعدادها في الجدار، وكانت تعمد إلى تشغيل التلفاز أو هاتفها المحمول بصوت مرتفع لتغطية أي صوت ناتج عن الحديث معه أو تلبية احتياجاته. 

 وكان أبو زكور يستحم داخل جحره باستخدام الماء الساخن ويمسح جسده بقطع قماشية يعصرها ويعيدها لزوجته، والتي كانت تجففها بحذر حتى لا يلاحظ الأطفال وجود غسيل إضافي، و كافحت الزوجة وحيدة لتأمين مصاريف المنزل؛ إذ كانت تجلب مستلزمات العمل يدوياً من المعامل وتنجزها داخل البيت لتنفق على أطفالها الخمسة

وعندما كان أطفالها يسألونها عن أبيهم ويبكون غيابه، كانت تجيبهم بصلابة ممزوجة بالحرقة: "ليس لكم إلا الترحم عليه.. لا تفتحوا جروحي"، دون أن تجرؤ على كشف الحقيقة خوفاً من زلة لسان قد تودي بحياة زوجها.

الصمود تحت أنقاض الخوف

خلال سنوات المحبس الجداري، مرت على البلاد أزمات وكوارث متعددة، كان أشدها زلزال فبراير 2023 الذي ضرب المنطقة بشدة اهتزت البناية بقوة، ووجد أبو زكور نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الخروج والتعرض للاعتقال والتعذيب مجدداً، أو البقاء تحت أنقاض المبنى فاختار أبو زكور البقاء في مخبئه متمسكاً بقراءة القرآن والصلاة  مسلماً أمره لله

وكان قد أوصى زوجته مسبقاً: "إذا متُّ داخل الفتحة، أغلقي الفتحة بالإسمنت وليّسي الجدار واتركيني في قبري.

 مع انحسار القبضة الأمنية وسقوط النظام، علت التكبيرات والصيحات في شوارع الحي طرق أبو زكور الجدار مستفسراً عما يجري في الخارج، دخلت الزوجة عليه لتزف إليه الخبر المعجزة: "سقط النظام.. أنت حر الآن!  نادت الزوجة ابنها الأكبر زكريا (البالغ من العمر 27 عاماً) وإخوته، وقالت لهم: "تعالوا لأريكم المفاجأة.. أبواكم حي ويقيم خلف الفريزر والجدار! وكما هو متوقع انتابت الأطفال حالة من الذهول والصدمة وسقط بعضهم مغشياً عليه من هول المفاجأة، قبل أن يستوعبوا أن والدهم الذي بكوه طوال 14 عاماً كان ينبض بالحياة على بعد خطوة واحدة منهم   خرجّ أبو زكور وارتدى جعبته العسكرية وسلاحه ونزل إلى الحارة مشاركاً الأهالي أفراح التحرير، ظن السكان في البداية أنه يُبعث من جديد أو خرج للتو من السجون السريّة، ليتبين لهم أنه عاش عقدين ونصف العقد تقريباً في قلب حارتهم مستتراً خلف حائط إسمنتي.

وتظل قصة "أبو زكور" وزوجته شهادة حيّة على حجم الرعب الذي فرضه النظام السوري على شعبه، ومثالاً استثنائياً للوفاء والصبر السوري الذي هزم سنوات العتمة والظلم.