حمص تطوي صفحة "مسلخ 608": إعادة افتتاح المشفى العسكري بحلة وطنية جديدة.

فارس الرفاعي-عروبة:

تستعد مدينة حمص غداً (الأحد) لإعادة افتتاح المستشفى العسكري (المعروف بالمستشفى 608) بحلة وطنية جديدة تطوي عقوداً من الإرث المظلم الذي ارتبط بكونه أحد أسوأ المراكز الشائنة في تاريخ الممارسات الطبية والأمنية.

 وتأتي هذه الخطوة كمحاولة لترميم الثقة بالمنظومة الصحية، وتحويل الصرح من مقر للانتهاكات الممنهجة إلى منشأة لممارسة الرعاية الطبية والإنسانية دون تمييز أو هيمنة أمنية.

وعلى مدى سنوات الحرب التي شنها نظام الأسد البائد على السوريين أثبتت التحقيقات الدولية والتقارير الحقوقية المتواترة أن هذا النظام حوّل المستشفيات العسكرية من أدوات لإنقاذ الحياة إلى ملحقات بأجهزة الاستخبارات ومراكز للاحتجاز والقتل والتصفية الجسدية.

وكانت بداية انكشاف السجل المظلم لمستشفى حمص العسكري عام 2012، عندما عرضت شبكة "Channel 4" البريطانية لقطات مسربة من داخل أروقته، هربها أحد العاملين. أظهرت التسريبات معتقلين مصابين ومعصوبي الأعيان ومكبلين بالسلاسل إلى الأسرة، وتظهر على أجسادهم آثار ضرب مبرح، بينما انتشرت في غرف المرضى أدوات التعذيب كالسياط المطاطية والكابلات الكهربائية.

وشهدت المنظمات الحقوقية، ومنها منظمة العفو الدولية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، على أن الانتهاكات لم تقتصر على أجهزة الأمن، بل انخرط فيها أطباء وممرضون. وشملت الممارسات: "الامتناع التعمدي عن العلاج""ترك جروح المصابين بطلقات نارية حتى تلتهب وتتسرطن بكتيرياً لتبرير بتر أطرافهم كعقاب جماعي". " إجراء جراحات بلا تخدير كانت تنفذ كنوع من التعذيب الجسدي والنفسي داخل أروقة المشفى".

و"إبقاء الضحايا على قيد الحياة" إذ حُددت وظيفة الكادر الطبي في بعض الحالات بتثبيت العلامات الحيوية للمعتقلين فقط ليستكمل رجال الأمن استجوابهم وتحقيقهم.

و"تزوير وثائق الوفاة" من خلال  تكتم إدارة المستشفى على أسباب الوفاة الحقيقية وصدرت شهادات وفاة مزورة للتغطية على الإعدامات تحت التعذيب، مع تكديس الجثث في الفناء الداخلي والمشرحة والممرات في مشهد وثقه شهود عيان ومحققون أمميون.

خيانة القسم الطبي: سوابق تاريخية وسقوط أخلاقي

ويمثل تحول الكوادر الطبية إلى المشاركة الفعلية في التعذيب ظاهرة أثارت اهتمام الخبراء النفسيين والاجتماعيين والمهتمين بالعدالة الجنائية. فرغم أن بعض الكوادر خضعت للإكراه والتهديد المباشر لحمايتها وعائلاتها، فإن جزءاً آخر شارك بفاعلية نتيجة الإذعان للسطوة الاستبدادية والتحريض السياسي والمؤسسي.

وتعيد هذه الحالة إلى الأذهان سوابق تاريخية بارزة، مثل "محاكمة الأطباء" في نورمبرغ عام 1949 عقب الحرب العالمية الثانية، والتي أُدين فيها  20 طبيباً (معظمهم عسكريون) بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فضلاً عن حالات شوهدت سابقاً في تشيلي (1986) وما عُرف لاحقاً بالحرب على الإرهاب.

عدالة الولاية القضائية العالمية: ملف "علاء موسى"

وشكلت الفظائع المرتكبة داخل المستشفى العسكري 608 برهاناً كافياً لفتح ملفات قضائية دولية في أوروبا تلاحق المتورطين بموجب مبدأ "الولاية القضائية العالمية".

وكانت قضية الطبيب السابق في الاستخبارات العسكرية السورية، علاء موسى (علاء م.)، العينة الأكثر حسمًا في القضاء الدولي حول تواطؤ المنظومة الطبية:

وألقي القبض عليه في ألمانيا في يونيو/حزيران 2020. وفي يناير 2022، بدأت محاكمته أمام المحكمة الإقليمية العليا في فرانكفورت، وجاء ذلك بأسابيع قليلة بعد الحكم التاريخي على الضابط السابق أنور رسلان.

وفي يونيو/حزيران 2025، وبعد 186 يوماً من جلسات الاستماع والشهادات المفصلة من أكثر من 50 شاهداً وخبيراً، قضت المحكمة بحكم السجن مدى الحياة بحق علاء موسى، مع فرض الحبس الاحتياطي اللاحق لخطورة جرائمه.

وجراء ذلك أدين موسى بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في مستشفى حمص العسكري (508)، وسجن الفرع 261 بحمص، ومستشفى المزة العسكري (601) بدمشق—وهو المشفى المقترن بـ "صور قيصر" الشهيرة.

وشملت أدلة إدانته سكب مواد قابلة للاشتعال على جروح المعتقلين، وإجراء جراحات دون تخدير كافٍ، والاعتداء الجنسي، وحقن معتقل بحقنة قاتلة أودت بحياته.

بداية جديدة ورسالة للمستقبل

ووفق مراقبين فإن إعادة إطلاق المستشفى العسكري بحمص اليوم تجاوز كونها إجراءً إدارياً أو لوجستياً؛ لتصبح محاولة لاستعادة الاعتبار لمهنة الطب التي أُفرغت من إنسانيتها لسنوات، وتأكيد على أن المنشآت الصحية يجب أن تظل حصناً لعلاج جميع المواطنين وحفظ كرامتهم، بعيداً عن أشكال التخويف والتسلط كافة.