رحيل "صياد الدهشة".. "سيف الدين الأتاسي" يترجل عن عرش الذاكرة في منفاه الفرنسي

فارس الرفاعي- عروبة :

رحل الكاتب والمهندس الزراعي السوري "سيف الدين الأتاسي"، مغادراً عالمنا بصدى هادئ يشبه نصوصه الأدبية المكثفة. ترجل الرجل الذي غادر مسقط رأسه حمص عام 2012 ليتخذ من فرنسا ملاذاً مؤقتاً وطال، تاركاً خلفه إرثاً حافلاً بالخواطر الأدبية والسرد القصصي ودراسات تبسيط العلوم، ومقاعد مقاهٍ فرنسية اعتادت دقة مواعيده وصرامته الجمالية في اصطياد لحظات الدهشة.

وولد الأتاسي في مدينة حمص عام 1958، ونشأ في بيئة ثقافية واجتماعية عريقة. يمتد نسبه إلى عائلة الأتاسي الحمصية التي اقترن اسمها عبر التاريخ بالوجاهة والديمقراطية والتعليم؛ فهو نجل الراحل راشد الأتاسي، الشخصية الوطنية التي فضّلت الاستقالة الجماعية مع كتلة الأحرار بعد الفوز في الانتخابات المحلية ضد قائمة السلطة كرسالة معارضة سلمية أخلاقية ترفض المناصب وتتجنب صدام الدم.

بدأ سيف الدين حياته المهنية مهندساً زراعياً، وهو ما انعكس في كتاباته الأولى التي اتسمت بالدقة والدفاع عن البيئة. برع في تبسيط العلوم ونشر مقالاته العلمية والأدبية في كبرى المجلات العربية مثل:مجلة العربي (الكويت) مجلة الفيصل والمجلة العربية (السعودية)جريدة الخليج (الإمارات) ونال عن تميزه العلمي والأدبي جائزة الشيخ عبد الله المبارك الصباح عام 1991.

 وتوزعت نتاجاته الأدبية الستة الأخيرة بين اليوميات والخواطر السردية المتوشحة بالخيال والمحمولة بآلام اللجوء ومنها "شخابيط على الجدران"2020 التي تُرجمت إلى الفرنسية وهي مدونة ذاتية تقترب من القصص القصيرة جداً، ترصد شقاء اللجوء وخراب الوطن.

و"درب الريح"2020  الذي ينتمي لأدب اليوميات ويؤرخ لمرحلة فارقة تتقاطع فيها ذكرياته الشخصية مع تحولات المنطقة. و"بوح الشبابيك"2023  وهو نصوص عن حنين الوطن وخرابه، ومناجاة حزينة بين شبابيك حمص ومقاهي فرنسا.

و"وميض الذاكرة " 2024 وهو امتداد للذاكرة السورية الملتهبة، ورحلات الغرق وعذابات الاندماج في المجتمعات الجديد.

أما "صياد الدهشة" 2025 فهو توثيق شعري لحظي ينقب عن الجمال في البساطة وسط مرارة التغريب.

بالإضافة إلى مشاركته مع "حسين محمد" خاطر في كتاب "ذاكرة تمطر سماءً"، الذي جسّد لوحة أدبية تتأرجح بين الفقد والنجاة.

حارس المقعد

 ومنذ وصوله إلى فرنسا عام 2012، تحول الأتاسي في مدينته الفرنسية الهادئة إلى معلم بارز من معالم المقهى المحلي. كان يُعرف بـ "حارس المقعد"، الرجل الذي يدخل بدقة متناهية، يحمل حقيبته وكتابه وحاسوبه، ليجعل من الكتابة سلاحه الوحيد ضد العزلة والغربة. "قم يا فتى الرغبات الجامحة في صحاري التيه انهض وانفض عنك غبار التردد ودموع ندى ليالي الغربة.. تابع لتستمر في الحياة مع مطلع كل نور وواجه الصعوبات غير آبه بالحمقى ومقالاتهم المحمولة على كل الموجات".

رثاء الأصدقاء ووجع الشاشات

وشكل خبر وفات الكاتب الأتاسي المفاجئ صدمة في الوسط الأدبي والمجتمعي السوري، وتوافدت رسائل العزاء التي عكست عمق الأثر الذي تركه في قلوب عارفيه وقرائه: فها هو "فراس المشنوق" ينعاه بصادق عبارات الأسى متذكراً إشراقة كلماته الصباحية: "خبر مفاجئ وحزين جداً رحيلك يا من اعتدت في صباح كل يوم أن أقرأ له فكرة عميقة في كلمات قليلة... يامن كنت بارعاً في تحويل المواقف اليومية البسيطة إلى نص أدبي مكثف".

أما الممثل والمخرج المسرحي "عبد القادر الحبال" فكتب بمرارة الفقد الحمصي: "يذهبون واحداً تلو آخر، الآن من سيلقي علي تحية الصباح، مع من أنادم الحديث؟".

واستعاد "ماهر اختيار" صورة صديقه الأتاسي في غربته الفرنسية مشيداً بانضباطه الأدبي: "الكتابة صارت ملاذه في عالم اللجوء... الكتابة ونقل تفاصيل شخص سوري لاجئ يعيش وحيداً أصبحت بمثابة الظل والرفيق".

أما المحامي "أدوار حشوة" فتوقف عند إرث عائلته وأدبه قاثلاً: "في بوح الشبابيك يختزن حنيناً للأرض وذكرياتها واحتجاجاً على الاغتراب والتغريب... أراد من كتابه أن يتواصل مع الأرض وأهلها بلغة خفيفة لم تتلوث بالدم".

  وعبر شبكات التواصل، كتب أحد أصدقائه حسرةً على هذا الغياب الشاشاتي المفاجئ: "كنا نلتقي هنا، على هذه الشاشة... كان يكتب عن الحب والحياة، وقبل يومين فقط كتب آخر تعليق له عندي. الموت وغدٌ لا يملك ذرة من الذوق... كنت تكتب عن الحب والحياة، ولم يخطر ببالنا أن الموت كان يقرأ معك". ترجل "صياد الدهشة" وترك مقعده فارغاً على رصيف المقهى الفرنسي، لكن نصوصه المترعة بالحنين ستظل شباكاً مفتوحاً يطل منه القراء على حمص، وعلى وطنٍ لا يزول من الذاكرة.