من القلعة إلى "العدوي".. نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي يفكّك المشهد العمراني لدمشق
فارس الرفاعي-عروبة:
بعد أكثر من ثلاثة عقود على استقراره عند المدخل الرئيسي لقلعة دمشق التاريخية، وجد السوريون أنفسهم أمام مشهد غير متوقع: بعد أن بدأت الآليات الثقيلة برفع النصُب الفني الشهير للقائد الناصر صلاح الدين الأيوبي لنقله إلى موقعه الجديد في ساحة "بانوراما حرب تشرين التحريرية" الواقعة على أوتستراد العدوي.
الخطوة التي أعلنت عنها محافظة دمشق صبيحة اليوم (السبت)، أحدثت حالة من السجال الشديد والتأويلات المتضاربة الشارع السوري، بين من يرى فيها إجراءً تنظيمياً وفنياً مستحقاً لحماية العمل الأثري، ومن يقرأ فيها أبعاداً سياسية وتاريخية تمس ذاكرة الفضاء العام لدمشق القديمة.
بين أعمال الترميم والغضب الجماهيري: ماذا حدث؟
وبدأ الجدل عندما انتشرت صور ومقاطع مصورة لنقل التمثال وسط غياب مبدئي للتوضيحات التفصيلية، مما ساعد على انتشار الإشاعات والتأويلات الساخرة والناقدة على منصات التواصل الاجتماعي. وسارعت محافظة دمشق بعد ذلك إلى إصدار بيان رسمي أعلنت فيه: سبب النقل: وهو المباشرة بإجراءات ترميم وصيانة العمل الفني وإصلاح الأضرار التي لحقت به على مدار العقود الماضية.
ويتم المشروع بناءً على تقرير فني صادر عن دائرة آثار دمشق وبالتعاون مع منظمة «هاند».
وأوضحت المحافظة نقل النصب إلى ساحة بانوراما حرب تشرين، مع إشارة إلى إخضاع محيط قلعة دمشق لمشروع إعادة تأهيل شامل يعيد ترتيب الواقع الجمالي والعمراني للمنطقة.
وبحسب بيان المحافظة فإن «الهدف هو الحفاظ على القيمة الفنية والمكانة الرمزية للنصب، وتجهيز موقع جديد يتيح للزوار مشاهدته من زوايا متعددة انسجاماً مع الطابع العمراني لدمشق».
رمزيّة العمل وهندسَة المكان
ويُعتبر النصب الفني للناصر صلاح الدين، الذي دُشّن عام 1993 بمناسبة الذكرى الثمانمئة لوفاته (1193 م)، أحد أبرز رموز الفن التشكيلية والنصبية الحديثة في سوريا، وصمّمه النحّات السوري الراحل عبد الله السيد بمشاركة النحاتَين نزار علوش وفؤاد طوبال.
ويجسد التمثال القائد صلاح الدين الأيوبي وهو يمتطي جواده محاطاً بأحد فرسانه ورجل من عامة الشعب، وعلى طرفي القاعدة يظهر كل من الملك ريتشارد "قلب الأسد" وفيليب أغسطس مكسورين، في تجسيد لانتصار معركة حطين وتحرير بيت المقدس.ب
وأعاد خبر نقل التمثال من مكانه إلى الأذهان قراءات نقاد ومؤرخين حول خلفيات اختيار الموقع الأول للتمثال عام 1993، إذ ذهبت تحليلات سياسية وتاريخية حينها إلى أن حافظ الأسد فضّل وضع التمثال في زاوية ضيقة مجاورة لقلعة دمشق بدلاً من إحدى الساحات المفتوحة والرئيسية في العاصمة، خشية أن يتحول التمثال إلى رمزية جماهيرية جامحة تفوق السيطرة.
وفي مقابل النقل الدمشقي، قارن معلقون بين التعاطي المحلي مع النصب التاريخية، وبين الحفاظ العالمي على الآثار والشواهد العسكرية؛ حيث لا يزال تمثال ريتشارد قلب الأسد — خصم صلاح الدين الأبرز في الحملة الصليبية الثالثة — قائماً في موقعه المفتوح أمام مجلس العموم البريطاني في ويستمنستر بقلب لندن منذ عام 1860 دون أن يُمسّ موقعه أو تُغير رمزيته الميدانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هل يستعيد النصب رونقه؟ رغم حسم المحافظة لوجهته الجديدة نحو "بانوراما حرب تشرين"، ويرى مراقبون أن نقل تمثال بهذه الرمزية من قلب دمشق التاريخية (بجوار سوق الحميدية وشارع الثورة والقلعة) إلى أوتستراد حركي سريع كـ "العدوي"، سيفقده جيل كامل من ارتباطه البصري والمكاني بقلعة دمشق ومرقد صلاح الدين الأيوبي القريب من الجامع الأموي.
ويبقى السؤال المفتوح بين أهالي العاصمة ونقادها: هل كانت أعمال الصيانة والتأهيل تتطلب حتماً اقتلاع التمثال من بيئته التاريخية الأنسب، أم أن "بانوراما تشرين" ستكون المحطة الأخيرة لمن أنقذ دمشق والقدس في الذاكرة العربية والإسلامية؟












