حارس الذاكرة السورية: كيف أنقذ مواطن 513 قطعة أثرية وتنقل بها وسط أهوال الحرب والنزوح

فارس الرفاعي-عروبة:

 عندما كانت العائلات منشغلة بالبحث عن نجاتها من ولقمة عيشها، اختار المواطن السوري "ضياء الدين خنوس" أن يحمل على كاهله مسؤولية إضافية استثنائية: وهي حماية ثروة تاريخية وتراثية تعود لأرضه ووطنه.

وعلى مدار أكثر من عقد من الزمن، تحولت "513 قطعة أثرية" إلى رفيقة رحلته اليومية وقسم من معاناته، ينقلها معه من مكان نزوح إلى آخر، رافضاً التفريط بها أو تركها للنهب والتلف.

وشهد المتحف الوطني بدمشق مؤخراً احتفالية تكريم رسمية نظمتها وزارة الثقافة بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف للمواطن خنوس، تقديراً لأمانته ووعيه الوطني العالي في الحفاظ على هذا الإرث الحضاري الثمين وتسليمه كاملاً للجهات المختصة.

 وتعود تفاصيل القصة إلى عام 2014 في أحد أرياف إدلب الجنوبية؛ فبينما كان ضياء الدين خنوس يحفر في الأرض لإعداد ملجأ بسيط يقي أسرته وجيرانه من أهوال القصف والعمليات العسكرية، ارتطمت أدواته بقطع وفخاريات أثرية دفينة تحت التراب. ولم يتعامل خنوس مع الموقف باعتباره "كنزاً شخصياً" أو فرصة للمتاجرة في سوق الآثار السوداء التي نشطت خلال سنوات الحرب، بل أدرك فوراً القيمة الحضارية للموقع، وقام بالتواصل مع الخبراء والمختصين لمعاينة الاكتشاف.

ويقول معاون المدير العام للآثار والمتاحف ومدير التنقيب  "أيمن النابو": "عاينا الموقع المكتشف في عام 2014 وعملنا على توثيق وتأمين القطع فوراً. وكان التحدي الأكبر هو كيفية حمايتها في ظل الظروف الأمنية المعقدة، وهنا تجلّى دور المواطن "ضياء الدين خنوس" الذي أخذ على عاتقه حفظ أكثر من 15 صندوقاً مملوءة باللقى الأثرية ونقلها بأمان.

 ولم تكن حماية القطع مجرد إيداع في مخزن آمن، بل كانت ملحمة يومية من التنقل والنزوح. مع اشتداد المعارك وتغير خريطة السيطرة الميدانية، اضطر خنوس إلى مغادرة منزله والنزوح عدة مرات. وفي كل رحلة فرار، كانت الصناديق الـ 15 تأخذ أولوية الشحن والتأمين جنباً إلى جنب مع أمتعة عائلته الشخصية. ورغم المخاطر الأمنية الجسيمة، والحواجز، وظروف النقل القاسية، ظل خنوس حريصاً على سلامة المكتشفات، رافضاً العروض أو الضغوط لتفادي مخاطر حملها، حتى أتم رسالته بإيصالها كاملة إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف.

من ظلام الصناديق إلى أروقة المتاحف

وأكد المشاركون في تكريم  خنوس أن تصرفه يمثل نموذجاً حياً للمواطنة الفاعلة، والوعي الشعبي بأهمية حماية الهوية الحضارية، وتسعى وزارة الثقافة السورية والمديرية العامة للآثار والمتاحف من خلال هذه التكريمات إلى إرسال رسالة تشجيعية لكافة المواطنين للإبلاغ عن أي مكتشفات أو لقى أثرية وتسليمها للجهات الرسمية، بما يضمن التوثيق العلمي ودراسة القطع وتحديد حقبتها التاريخية وأهميتها.

وفي الحالة السورية، تشكل المبادرات الفردية والأهلية—مثل تجربة ضياء الدين خنوس—خط دفاع أول وسنداً حيوياً للمؤسسات الرسمية لحماية الذاكرة الوطنية من الاندثار أو الضياع.

وتنتقل هذه الـقطع الـ 513 من ظلام الصناديق والملاجئ إلى نور المعامل العلمية وأروقة المتاحف، لتسجل فصل جديداً يثبت أن حماية التراث ليست مجرد مهمة رسمية، بل هي مسؤولية مجتمعية ووجدانية تعكس أصالة الشعوب.