سوريا وتركة الغياب الثقيلة: البحث عن الحقيقة في أرشيف السجون ودور الرعاية
فارس الرفاعي- عروبة:
لم تكن الفاجعة السورية مجرد أرقام تتردد في أروقة المنظمات الدولية، بل زفرات ألم مخبأة بين جدران البيوت المهدومة، وقصص أطفال كبروا وفي قلوبهم متسع لحلم واحد: معرفة مصير من رحلوا ، وبين طيات هذه المأساة المركبة، تتداخل حكايات المغيبين قسراً في المعتقلات مع مفقودي الحرب والنزوح، ليشكّلوا جرحاً نازفاً يمتد لأكثر من خمسة عقود.
عندما أُصيبت السيدة "حنان قبح" بجلطة دماغية، لم تكن تعلم أن أزمتها الصحية ستكون بداية لرحلة غياب طويل. فرضت ظروف الحرب القاسية على عائلتها إيداعها في دار للرعاية يُدعى "دار الحياة" ببلدة المليحة في غوطة دمشق، تحت إشراف سيدة تُدعى "أم جعفر". ومع اشتداد القصف على المليحة، نُقلت الدار ومقيموها إلى العاصمة دمشق، لكن ابنتها "نور بنونة"، التي كانت حينها طفلة لا تملك سوى الانتظار، لم تجد أمها عندما ذهبت للبحث عنها بعد الانتقال.
سنوات مضت و"نور" تنتقل بين الأمل والسراب، تطرق الأبواب وتواجه روايات متضاربة ومفبركة تبثها المشرفة في كل مرة تسألها فيها، بينما يظل السؤال يطاردها: أين أمي؟ قصة حنان ليست سوى نموذج صارخ لآلاف الحالات الإنسانية التي ضاعت في معمعة القصف، والتهجير القسري، والفوضى التي سادت البلاد.
من زنازين المعتقلات إلى دور الرعاية
تتعدد أسباب الاختفاء في سوريا وتتنوع؛ فبينما اتجهت الأنظار نحو المعتقلات السياسية وسجون الرعب السابقة مثل سجن صيدنايا سيئ السمعة في دمشق—الذي كشف عن أقفاص احتجاز وشهادات تعذيب يندى لها الجبين عقب التحولات السياسية وسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024—فإن هناك وجهاً آخر للمأساة يتعلق بالضياع الناجم عن عمليات النزوح، والاحتجاز الإداري غير الموثق، والاختطاف، وإتلاف الوثائق الثبوتية وسط الحرب.
ولعل الكشف عن هذه الملفات يتطلب جهداً هائلاً يتجاوز فحص سجلات دخول وخروج المعتقلين، ليمتد إلى تدقيق أرشيفات دور الرعاية والمستشفيات، وتوثيق المقابر الجماعية، وتفكيك الشبكات الإدارية والأمنية والقضائية التي تسببت في تغييب الآلاف.
"مهمة جبارة" في أرض مدمرة
أمام هذا الحجم المأساوي، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في يونيو 2023 "المؤسسة المستقلة للمفقودين في الجمهورية العربية السورية" (IIMP)، لتكون أول آلية دولية متخصصة في الكشف عن مصير كافة المفقودين، بغض النظر عن جنسياتهم أو انتمائهم السياسي أو ظروف اختفائهم، وتقديم الدعم النفسي والقانوني لعائلاتهم.
وتصف رئيسة المؤسسة، كارلا كينتانا، هذه المهمة بـ "الجبارة"؛ إذ إن التحديات الميدانية والمالية تقف حائلاً أمام سرعة الإنجاز. فتأمين الموارد المالية يمثل تحدياً رئيسياً، فضلاً عن أن عمليات البحث وتحليل البيانات تستغرق وقتاً طويلاً في بلد تعرضت فيه أجزاء واسعة للدمار، وتلاشت فيه الكثير من السجلات الرسمية أو تعرضت للإتلاف العمدي.
الشراكة المحلية: الطريق نحو العدالة والتعافي
وتؤكد المؤسسة الأممية أن عملية البحث لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت "بقيادة محلية ودعم دولي"، من خلال الشراكة الفاعلة مع المنظمات المحلية، والوكالات الحكومية، ومجموعات المجتمع المدني، والعائلات التي تمتلك مفاتيح الحقيقة. إن فتح ملف المفقودين لا يقتصر على إنهاء المعاناة النفسية لأسرٍ مثل أسرة "نور بنونة"، بل يُعد ركيزة أساسية لأي مسار مستقبلي يتعلق بالعدالة الانتقالية والسلام المستدام في سوريا.
وبينما تقف الشابة "نور" اليوم لتناشد كل من يملك معلومة بسيطة قد تقودها إلى أمها، يتردد صداها في أرجاء وطن يحاول النهوض من ركام ناهز الخمسين عاماً من الاستبداد و14 عاماً من الحرب الشرسة. تظل الحقيقة هي المطلب الوحيد لملايين السوريين الذين أرهقهم الانتظار، ولن تكتمل فرحة العبور نحو المستقبل دون معرفة المصير الأخير لأولئك الذين غابوا في ظلمات المأساة.












