«أطفال سوريا المسروقون» يتوَّج بجائزة «سمير قصير 2026»: وثيقة استقصائية تكشف منظومة الإخفاء والابتزاز الأمنية

فارس الرفاعي-عروبة:

تُوِّجت الصحفية "ميس قات" والصحفي "علي الإبراهيم" بجائزة «سمير قصير لحرية الصحافة» لعام 2026 عن فئة التحقيق الاستقصائي، وذلك عن المادة المكتوبة «أطفال سوريا المسروقون» المنشورة على موقع «سراج» (الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية).

ويأتي هذا الفوز ليُرسّخ الاعتراف الدولي بأهمية التحقيق العابر للحدود، الذي تفكّك نتائجه منظومة سريّة أدارتها أجهزة الاستخبارات السورية لإخفاء أطفال المعتقلين قسراً داخل دور رعاية وإعادة استخدامهم كأوراق ضغط ورهائن حرب ضد عائلاتهم.

ولا يُعَدّ فوز التحقيق بجائزة «سمير قصير» — التي يمنحها الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع مؤسسة سمير قصير منذ عام 2006 — حدثاً معزولاً، بل يأتي امتداداً لسلسلة من التقديرات والجوائز الدولية الرفيعة التي حصدها المشروع عبر وسائطه المتعددة:

واستند العمل إلى جهد جماعي دولي قادته منظمة Lighthouse Reports المستقلة، وشارك فيه فريق عابر للحدود ضمّ كلاً من: سراج، BBC Eye، The Observer، Der Spiegel، Trouw، نساء ربحن الحرب، وبودكاست «صوت».

  تحويل أبناء المعتقلين إلى «رهائن تفاوض»

 وعلى مدار تسعة أشهر من التتبع الميداني والتحليل المتقدم للبيانات، نجح الفريق الاستقصائي في بناء قاعدة بيانات موثّقة تضم أكثر من 323 طفلاً جرى تحويلهم من الأفرع الأمنية إلى دور الرعاية الاجتماعية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية ومحافظتي دمشق وريف دمشق.

وكشفت البيانات الرقمية والتحليلات الخاصة بالوثائق الرسمية عن أرقام صادمة:

فمن بين الـ 323 طفلاً الموثقين، تراوحت أعمار 187 طفلاً بين حديثي الولادة سن 16 عاماً، كان من بينهم 72 طفلاً دون سن الثالثة و 14 رضيعاً.

وصُنِّف هؤلاء الأطفال في المراسلات الرسمية بوصفهم «حالات أمنية»، وصدرت أوامر صريحة من إدارة المخابرات الجوية والأمن العسكري (الفرعان 227 235-) والمخابرات العامة (الفرع 251 ) بعدم تسليمهم إلا بموافقات أمنية، لاستخدامهم في صفقات تبادل الأسرى أو الابتزاز السياسي والمالي.

و تؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان وجود نحو 3,700 طفل مفقود لا تزال عائلاتهم تبحث عنهم، في حين تشير مراجعات أولية للمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا (IIMP) التابعة للأمم المتحدة إلى أن الأرقام الفعلية تتجاوز بكثير ما أُفصح عنه في السجلات الرسمية.

شهادات حية: العتمة والأرقام البديلة للأسماء

ويعيد التحقيق بناء المأساة الإنسانية عبر شهادات ميدانية وأكثر من 100 مقابلة مع عائلات وموظفين سابقين ومبلّغين ، ومن أبرز تلك القصص، قصة الأم أمامة غبيس التي اُعتقلت عام 2015 مع طفلتيها «ليلى» (8 سنوات) و«ليان» (4 سنوات) في زنزانة تحت الأرض بفرع المخابرات الجوية. جرى مجريد الطفلتين من اسميهما وتحويلهما إلى الأرقام (1-446 و2-446  قبل انتزاعهما قسراً من والدتهما ونقلهما إلى دور الرعاية. ولم تُمنح الأم سوى زيارتين لدقائق معدودة على مدى ثلاث سنوات، إلى أن تمكنت من استعادتهما عام 2018 عبر صفقة تبادل أسرى مع المعارضة السورية.

كما وثّق التحقيق ست حالات ولادة على الأقل داخل السجون لأمهات حوامل، حيث كان يُنتزع الرضع فور ولادتهم أو بعد أيام قليلة. وشهادات أخرى تكشف عن اضطرار عائلات لدفع رُشى مالية بلغت 12 ألف دولار لمجرد معرفة مكان طفلها أو استعادته بعد سنوات من الإخفاء.

التواطؤ الدولي: مظلة «SOS» وتزوير الهويات

وألقى التحقيق الضوء على دور المؤسسات الدولية والمحلية التي وفّرت غطاءً استمر سنوات لهذه المنظومة: ومنها قرى الأطفال (SOS International)

وأثبتت الوثائق أن ما لا يقل عن 103 أطفال أُرسلوا إلى دور تديرها منظمة «SOS» النمساوية (التي تجمع نحو 106 مليار يورو سنوياً). وعلى الرغم من إبلاغ قيادة المنظمة بالوضع منذ عام 2017، إلا أنها تكتمت على الأمر حتى سقوط النظام في ديسمبر 2024.

ورغم تضاعف ميزانية المنظمة في سوريا بنسبة 560% بين عامي 2013 2024- إلا أنها فشلت في حماية الأطفال أو إبلاغ ذويهم، وشهدت الإدارة السابقة ارتباطات وثيقة مع الأمانة السورية للتنمية التابعة لأسماء الأسد عبر رئيسة مجلس إدارة «SOS سوريا» السابقة سمر دعبول.

                                  دار «لحن الحياة» وتغيير الأنساب

وكشف التحقيق عن استخدام الأجهزة الأمنية لمراسيم رسمية (مثل مرسوم مجهولي النسب لعام 2007 ومرسوم 2023) لتغيير أسماء أطفال المعتقلين وبياناتهم داخل دار «لحن الحياة»، وتصنيفهم كـ «مجهولي النسب»، ما تسبب في طمس هوياتهم الأصلية وجعل تتبعهم من قبل أهاليهم أمراً شبه مستحيل.

ويؤكد الحقوقي السوري "مهند شرباتي" في سياق التحقيق أن هذه الأفعال لا تُصنّف كمجرد خروقات إجرائية، بل إن «الفصل القسري للأطفال عن عائلاتهم واستخدامهم كرهائن ضمن شبكة نسّقت بين الأجهزة الأمنية والوزارات ودور الأيتام، يرتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي».

ويرتبط هذا الملف بشكل مباشر بمسؤولين أمنيين بارزين أُدينوا غيابياً بجرائم ضد الإنسانية، مثل "علي مملوك"، و"جميل حسن"، و"عبد السلام محمود"، إضافة إلى تورط قيادات أمنية أخرى كاللواء "قحطان خليل".

ويمثل فوز تحقيق «أطفال سوريا المسروقون» بجائزة «سمير قصير» تحولاً محورياً في مسار الصحافة الاستقصائية العربية؛ إذ لم يكتفِ بنقل المأساة، بل قدّم وثيقة إدانة حقوقية ودولية متكاملة، تضع المؤسسات الدولية والمحلية أمام مسئولياتها التاريخية والقانونية تجاه واحدة من أكثر ملفات الحرب السورية قسوة.