إحالة 4 موظفين جامعيين في حمص للمحكمة المسلكية وإبعادهم عن مؤسسات التعليم العالي
فارس الرفاعي-عروبة:
في خطوة تعكس تسارع إجراءات المحاسبة وتطهير المؤسسات التعليمية والأكاديمية من ترسبات حقبة "تداخل السلطة والأمن"، صدر قرار إداري بكف يد أربعة موظفين في مؤسسة نظامية تابعة للتعليم العالي، وإحالتهم مباشرة إلى المحكمة المسلكية لمكاتب التفتيش والإدارة العامة.
وتأتي هذه الخطوات عقب ثبوت ارتكاب الموظفين المذكورين مخالفات جسيمة للأنظمة والقوانين الناظمة للخدمة المدنية، تمثلت في الجمع غير القانوني بين الوظيفة العامة والانتساب العملي الميداني لميليشيات مسلحة (مليشيا "الدفاع الوطني" سابقاً)، مع تقاضيهم أجورهم وتفرغهم التام للعمل الميليشياوي طوال سنوات الحقبة الماضية.
خريطة الإحالات: مفاصل حيوية وخدمية
وتكمن أهمية الإجراء الأخير في طبيعة القطاعات الإدارية التي يتوزع عليها الموظفون الأربعة، والتي تُعد من أكثر المرافق حساسياتٍ ومساساً بحياة الطلاب والعملية التعليمية: كلية الطب البشري: أحد أكبر الصروح الأكاديمية والخدمية في القطاع الصحي والتعليمي. كلية الاقتصاد: المفصل الإداري المعني بالعلوم الماليّة والتنفيذية. إدارة المدينة الجامعية: القطاع السكني والتنفيذي المحوري الذي يضم عشرات الآلاف من الطلاب، ومديرية الشؤون الهندسية والخدمات: الجهة المسؤولة عن العقود، الصيانة، والمشاريع الإنشائية في الجامعة.
وأشارت مصادر التحقيق إلى أن الفاسدين المتورطين استخدموا مواقعهم الوظيفية كـ "غطاء إداري" يضمن استمرار تدفق الرواتب والميزات الوظيفية، دون ممارسة مهامهم الفعلية، وهو ما يُعرف قانوناً بـ "الوظائف الوهمية" أو استنزاف المال العام دون وجه حق.
عندما تحولت الجامعة إلى بيئة نفوذ أمني
وتُعيد هذه القضية فتح ملف "تسلل السلاح والميليشيات إلى حرم التعليم العالي". فخلال عقود وخاصة في سنوات الحرب الماضية، عانت الجامعات ومؤسسات التعليم العالي من ظاهرة استغلال الموظفين الموالين للتنظيمات المسلحة الرديفة للنظام لنفوذهم، وتطويع المرافق والموارد لصالح نفوذهم الخاص.
وقد تجسد هذا الخلل الهيكلي في صور متعددة ومنها "الازدواجية الوظيفية وسرقة الأجور"و"التفرغ التام للعمل العسكري أو الميليشياوي مع البقاء على ملاك الدولة واستلام المستحقات المالية"و"استغلال المرافق الخدمية عبر تحويل أجزاء من المجمعات الخدمية والمدينة الجامعية لسنوات طويلة إلى مربعات نفوذ وأماكن خارجة عن الرقابة الإدارية والأكاديمية.
وكذلك تغليب الولاء على الكفاءة: تعطيل آليات التقييم الوظيفي والقانوني وتهميش الموظفين المهنيين لصالح المتنفذين المسلحين.
أبعاد المحاكمة المسلكية والتبعات القانونية
ويُمثل نقل ملف المتهمين الأربعة إلى المحكمة المسلكية مرحلة جديدة لا تقف عند حدود "كف اليد" (العزل المؤقت عن العمل)، بل تتعداه إلى تبعات قانونية وإدارية ومادية مباشرة:
المحاسبة الماليّة: الإلزام بإعادة كافة المبالغ والرواتب والتعويضات التي أُخذت بغير حق طوال فترة التفرغ غير القانوني.
العزل النهائي والتجريد من الصفة الوظيفية والحرمان من الحقوق التقاعدية في حال ثبوت الإدانة بالخيانة الوظيفية والانتساب إلى تشكيلات غير شرعية.
وتحويل الملف إلى القضاء العام في حال ثبوت ارتكاب جرائم استغلال سلطة، أو تهديد للسكان والطلاب، أو اختلاس المال العام.
نحو مرحلة جديدة من إصلاح التعليم العالي
ويرى مراقبون أن بدء فتح هذه الملفات في الكليات الحيوية والمدينة الجامعية يمثل رسالة حازمة مفادها أن استقلالية حرم الجامعة وسيادة القانون هما أساس أي عملية إصلاح شاملة. فإبعاد النفوذ المسلح والفساد الإداري عن المؤسسات التعليمية ليس مجرد إجراء عقابي فردي، بل هو شرط أساسي لإعادة بناء البيئة الأكاديمية على أسس التنافسية، والشفافية، والعدالة، وبما يستعيد ثقة المجتمع والطلاب بالشهادة الجامعية والمؤسسة التعليمية الوطنية.












