قبضة الاستخبارات التركية تطال "عقل التنسيق".. ضبط عمر الخطيب متلبساً بالفرار إلى أوروبا
فارس الرفاعي-عروبة:
في ضربة أمنية نوعية عابرة للحدود، أنهى جهاز الاستخبارات التركي MİT رحلة فرار طويلة لواحد من أبرز العقول التنفيذية والتنسيقية المتورطة في واحد من أدمى الهجمات الإرهابية التي شهدتها تركيا في تاريخها الحديث.
وأفاد موقع gazeteoksijen نقلاً عن مصادر أمنية رفيعة، بأن جهاز الاستخبارات التركي تمكّن من إلقاء القبض على المواطن السوري عمر الخطيب، المطلوب على لائحة "النشرة الحمراء" الدولية، وذلك خلال عملية أمنية خاطفة دُبّرت له أثناء محاولته التسلل والفرار بحراً نحو الشواطئ الأوروبية، ليجري نقله فوراً إلى الأراضي التركية وتمثيله أمام القضاء.
مهندس التنسيق مع مخابرات النظام السوري
وبحسب ما نشره الموقع ذاته لم يكن عمر الخطيب مجرد عنصر تنفيذي عادي في التفجيرين المزدوجين اللذين هزّا قضاء "ريحانلي" بولاية هاتاي جنوبي تركيا عام 2013؛ بل كان يُشكل الحقل المفصلي وورقة الوصل بين منفذي التفجير الميدانيين وبين القيادة العليا في جهاز الاستخبارات العسكرية التابع لنظام بشار الأسد.
وتشير السجلات والمعلومات المعروضة في وسائل الإعلام التركية إلى أن الخطيب، المولود في محافظة إدلب عام 1976، أدى خدمته العسكرية السابقة في "الفرقة 14" بالعاصمة دمشق قبل أن يعود للعمل في مجال البناء.
ومع اندلاع الثورة ضد نظام الأسد البائد عام 2011، انتقل إلى مدينة اللاذقية الساحلية؛ حيث انخرط في صفوف مجموعات "الشبيحة" المسلحة التابعة لفرع "الأمن العسكري"، وهو الموقع الذي فتح له أبواب التعرف على قيادات أمنية بارزة، وفي مقدمتهم كفاح ملحم، الذي كان يرأس آنذاك فرع الأمن العسكري باللاذقية.
من فيلا اللاذقية إلى شحنة الموت في ريحانلي
وتكشف التفاصيل المتداولة في الصحافة التركية عن البيئة الخفية التي وُلد فيها مخطط التفجير؛ حيث أقام الخطيب في فيلا سكنية بمدينة اللاذقية برفقة عدد من قيادات وعناصر المخطط، بينهم جنكيز سيرتيل، وأرجان بايات، ويوسف نازيك، حيث مارس المجموعة نشاطاً واسعاً في عمليات التهريب عبر الحدود في منطقتي اللاذقية وكسب.
وفي عام 2013، أدّى الخطيب الدور الحاسم في ترتيب لقاء مباشر بين يوسف نازيك —المسؤول عن وضع الخطط الميدانية داخل الأراضي التركية— واللواء كفاح ملحم، وهو اللقاء الذي جرت فيه رسم الملامح النهائية للهجوم الدامي.
وتلخص التقارير الإعلامية تسلسل الجريمة في محطتين رئيسيتين: الاستطلاع الميداني (فبراير 2013 تسلل عمر الخطيب برفقة يوسف نازيك عبر الحدود من ولاية هاتاي إلى الداخل التركي لاستطلاع الأهداف وتحديد نقطتي الانفجار، قبل العودة للحيّز السوري ونيل الموافقة النهائية من كفاح ملحم.
تجهيز ونقل التفجير
وتوجه الخطيب مع المتهم "تيمور دوكانجي" إلى مقر الأمن العسكري باللاذقية لتسلّم الشحنات والمواد المخصصة لتركيب العبوات الناسفة، ليقوم نازيك ودوكانجي بعد ذلك بنقل السيارة المفخخة عبر الحدود وتفجيرها عن بُعد.
وتستحضر وسائل الإعلام التركية خلفية المشهد الأليم الذي وقع في 11 مايو/أيار 2013؛ حيث فاصل زمني لم يتجاوز 15 دقيقة بين انفجارين مروعين؛ الأول أمام مبنى بلدية ريحانلي، والثاني في شارع "جمهوريت" الحيوي بالقرب من مقر البريد (PTT).
وأسفر الهجوم حينها عن مقتل 53 شخصاً وإصابة العشرات، فضلاً عن إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والممتلكات شملت تضرر 912 منزلاً، و 891محلاً تجارياً، و148 مركبة، في حادثة صُنفت كأحد أكبر الاعتداءات الإرهابية في تاريخ البلاد.
تساقط أوراق الخلية
وتُبرز الصحافة التركية هذه العملية باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة عمليات "القبضة الطويلة" التي ينفذها جهاز الاستخبارات التركي لتعقب المتورطين في ملف ريحانلي، وإغلاق الملف بالكامل عبر جلب الفارين أينما وجدوا:
ففي عام 2018: جلب يوسف نازيك، أحد رأسَي التخطيط، في عملية استخباراتية من قلب الساحل السوري.
وفي عام 2024: إلقاء القبض على المتهم جنكيز سيرتيل. وعام 2025: القبض على المتهمين محمد ديب كورالي وتيمور دوكانجي. وعام 2026: توجيه الضرب القاضية للخلية بالقبض على عمر الخطيب وهو في طريقه إلى أوروبا.
وعلى صعيد المستوى القيادي الأرفع للنظام السوري السابق، تشير التقارير إلى أن اللواء كفاح ملحم —الذي ترقى في شباط/فبراير 2024 ليصبح رئيساً لمكتب الأمن الوطني بقرار من بشار الأسد— قد فرّ بدوره إلى خارج سورية عقب التطورات الأخيرة وسقوط النظام السوري.
المسار القضائي: أحكام مشددة وإدانة رسمية للنظام
وعلى الصعيد القضائي، شهدت المحاكمات التركية محطات مفصلية؛ فبعد أن أصدرت المحاكم في عام 2018 أحكاماً بالسجن المؤبد المشدد 53 مرة بحق 9 متهمين رئيسيين (من بينهم يوسف نازيك عام 2019)، أتبعت المحكمة الجنائية العليا التاسعة في أنقرة ذلك في يونيو/حزيران 2026 بإصدار أحكام تاريخية بحق كل من مميت جيزر، وتيمور دوكانجي، وجنكيز سيرتيل، قضت بالسجن المؤبد المشدد 53 مرة، بالإضافة إلى السجن لمدة 3 آلاف و921 سنة لكل منهم.
وأكدت المحكمة في قرارها المسبّب الصريح أن جميع التوجيهات والتعليمات الخاصة بالتفجير صدرت بشكل مباشر من أجهزة استخبارات النظام السوري، في حين جرى فصل ملف المتهمين الفارين —وعلى رأسهم معراج أورال وعمر الخطيب— قبل أن تنجح الاستخبارات التركية في إنهاء فرار الخطيب وإعادته لينال عقابه أمام العدالة فيما لا يزال معراج أورال طليقاً ينتظر مصيره .












