بقرار قضائي يباغت السوريين.. هولندا تُطبّق شروط لمّ الشمل المشددة بأثر رجعي  

  فارس الرفاعي-عروبة:

تلقى آلاف اللاجئين السوريين في هولندا ضربة قانونية موجعة عقب صدور حكم قضائي مفصلي عن محكمة لاهاي الإقليمية، يقضي بشرعية تطبيق القواعد الجديدة الأكثر صرامة لجمع شمل الأسر بأثر رجعي على المعاملات والطلبات القديمة التي قُدّمت قبل صدور القوانين الجديدة.

وفقاً لما أفاد به موقع NOS  الإخباري الهولندي، فإن هذا القرار يكرس تحولاً جذرياً في سياسات اللجوء الهولندية، ويضع مئات العائلات السورية أمام جدار من التعقيدات الإدارية والقانونية التي قد تحرمهم من الاجتماع بذويهم لسنوات.

وجاء الحكم الصادر عن محكمة لاهاي في أعقاب دعوى قضائية رفعتها عائلتان سوريتان ضد دائرة الهجرة والتجنيس الهولندية (IND)، بعدما رفضت الأخيرة طلباتهم لإحداث لمّ شمل أسرهم. ويحمل المواطنان السوريان ما يُعرف بـ "وضع الحماية الفرعية" (Subsidiary Protection)، وهو تصريح يُمنح للذين لا ينطبق عليهم التعريف التقليدي للاجئ السياسي، لكنهم لا يستطيعون العودة إلى وطنهم بسبب المخاطر الجسيمة والنزاعات المسلحة.

ورغم إقرار المحكمة بأن العواقب القانونية لهذه القرارات ستكون "وخيمة وقاسية"، ولا سيما على أولئك الذين تقدموا بطلباتهم في ظل النظام القديم بناءً على توقعات قانونية استقرت لسنوات، إلا أنها اعتبرت أن تطبيق القواعد الجديدة بصورة فورية وبأثر رجعي لا يتنافى مع التشريعات العليا أو المبادئ العامة للقانون.

                                "نظام الوضع المزدوج" والقيود الجديدة

ويرتبط هذا التشديد المفاجئ بحزمة الإجراءات التي دخلت حيز التنفيذ في12 يونيو/حزيران الماضي، بالتزامن مع تطبيق الميثاق الأوروبي الجديد للجوء والهجرة، والذي يهدف إلى تسريع وتيرة إجراءات اللجوء وتقييد التدفقات.

وبحسب تقرير موقع "نوس"، يعود السبب الرئيس في تضييق الخناق على السوريين إلى إعادة إقرار "نظام الوضع المزدوج"، الذي يميّز بين أنواع تصاريح اللجوء. وبموجب الشروط الجديدة المقيدة، يتوجب على الحاصلين على الحماية الفرعية من السوريين تحقيق متطلبات تعجيزية لإحضار عائلاتهم، أبرزها: فترة انتظار إجبارية: الالتزام بالانتظار لمدة عامين كاملين قبل السماح بتقديم طلب لمّ الشمل.

وإثبات السكن الملائم عبر توفير سكن مناسب يتسع لجميع أفراد الأسرة قبل الموافقة على الطلب.

إضافة إلى ذلك، ولتجنب تراكم الطلبات لدى دائرة الهجرة والتجنيس (IND)، أُعطيت الأولوية القصوى لطلبات اللجوء المقدمة بعد 12 يونيو، ما أدى إلى إرجاء النظر في معاملات طالبي اللجوء السوريين الذين وصلوا مركز الاستقبال في "تير أبيل" قبل ذلك التاريخ، لتزداد مدة انتظارهم للقرارات المصيرية.

طعن قضائي وتحذيرات إنسانية

ولم يتأخر رد الفعل القانوني والحقوقي على هذا الحكم؛ إذ أكد محامي العائلتين السوريتين عزمهم الاستئناف ضد القرار أمام مجلس الدولة (أعلى سلطة قضائية إدارية في البلاد).

من جانبها، أعربت منظمة "مساعدة اللاجئين في هولندا" (VluchtelingenWerk) عن خيبة أملها الشديدة إزاء القرار. وصرحت المنظمة لوسائل الإعلام بأن هذا الحكم ليس سوى بداية لسلسلة من المعارك القضائية للاعتراض على الأثر الفوري للقوانين، محذرة من أن القواعد الجديدة "تقيد حق اللاجئين المكفول في العيش مع أسرهم، وتتسبب في تفكيك العائلات لفترات ممتدة، بل تجعل لمّ الشمل مستحيلاً في كثير من الحالات".

الجالية السورية في هولندا وتحولات المشهد

وتأتي هذه التطورات القانونية في وقت تشهد فيه الجالية السورية في هولندا — والتي يُقدر عدد أفرادها بنحو 150 ألف شخص — تحولات متسارعة فرضتها التغيرات السياسية الميدانية في دمشق عقب سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في أواخر عام 2024.

وترصد السلطات الهولندية تشجيعاً كبيراً لبرامج العودة الطوعية؛ حيث يمنح برنامج الدعم الحالي تحفيزات مالية تصل إلى 3000 يورو لكل شخص بالغ، و1800يورو لكل طفل يقرر العودة. وكشفت البيانات الرسمية التي أوردها موقع "نوس" أن نحو 1440 سورياً استفادوا من هذه المنح وعادوا طوعاً إلى بلادهم منذ التغيير السياسي في سوريا.

غير أن الواقع على الأرض لا يزال معقداً؛ فخلال زيارة ميدانية أجراها وزيرا شؤون اللجوء والهجرة (فان دن برينك) والخارجية (بيريندسن) إلى سوريا في يونيو/حزيران الماضي، خلص التقييم الحكومي إلى أن الأوضاع في البلاد تتحسن ببطء، لكن الحذر لا يزال قائماً مع وجود مخاوف جديّة بشأن الاستقرار الأمني ووضعية الأقليات، مما يجعل فرض تشديد لمّ الشمل خطوة تُعمّق من حالة عدم اليقين التي يعيشها السوريون في هولندا.