بعد عقد من اللجوء في هولندا: السوريون يتقدمون اقتصادياً ولغوياً.. والعزلة تخيم على مشهدهم الاجتماعي

فارس الرفاعي-عروبة:

 كشفت دراسة رسمية موسعة تابع فيها مركز البحوث والبيانات العلمية الهولندي (WODC) التابع لوزارة العدل والأمن مسار اللاجئين السوريين على مدار 10 سنوات متواصلة، أن غالبية السوريين الذين استقروا في البلاد حققوا تقدمًا ملحوظًا في إتقان اللغة الهولندية، والانخراط في سوق العمل، واستكمال متطلبات الاندماج والتجنيس.

غير أن الدراسة كشفت في الوقت ذاته عن مسار عكسي مقلق؛ إذ يتزايد لدى السوريين بمرور الوقت شعور العزلة والوحدة، ويتراجع إحساسهم بالانتماء لـ "البيت الهولندي"، متأثرين بالظروف الشاقة لبدايات استقرارهم، وتصاعد تجارب التمييز والاستبعاد الاجتماعي في حياتهم اليومية.

واستندت نتائج الدراسة التي عرضها موقع de Kanttekening الهولندي إلى متابعة دقيقة شملت العينة الرئيسية من السوريين الذين حصلوا على تصاريح إقامة بين عامي 2014-2016  (والبالغ عددهم نحو 44 ألف شخص).

وأفادت معطيات الدراسة بالتطورات الإيجابية التالية: المشاركة في سوق العمل حيث تجاوزت نسبة الانخراط في سوق العمل بين حاملي الإقامة السوريين 55%، مع زيادة ملحوظة في متوسط ساعات العمل الأسبوعية وتحول متزايد نحو العقود الدائمة.

على صعيد إتقان اللغة والتجنيس أتمت أسر عديدة دورات الاندماج المدني الرسمية، وحصل معظمهم على الجنسية الهولندية، واكتسبوا مهارات لغوية تمكنهم من التواصل الفعال، معربين عن رغبتهم الصريحة في بناء مستقبل دائم لأسرهم في هولندا.

وفيما يتعلق بـ "المفارقة الاجتماعية" تزايد العزلة وانكماش شبكات التواصل، وعلى الرغم من النجاح الملموس في جوانب العمل والتعليم والتجنيس، رصد الباحثون تراجعاً حاداً في مؤشرات الاندماج العاطفي والاجتماعي. وفي بيان رسمي لمركز WODC، جاء فيه: «كلما طالت مدة إقامة حاملي تصاريح الإقامة السوريين في هولندا، زاد شعورهم بالوحدة وتراجع إحساسهم بأنه وطنهم، وزادت تجاربهم مع التمييز. علاوة على ذلك، تستمر العلاقات والتواصل الاجتماعي في الانخفاض، سواء مع المواطنين الهولنديين بدون خلفية مهاجرة أو حتى مع السوريين الآخرين».

وأوضح التقرير بحسب المصدر أن ارتفاع وتيرة التعرض للتمييز والاستبعاد المجتمعي يدفع العديد من الأفراد إلى الانكفاء على أنفسهم، مما يتسبب في تراجع اتصالاتهم بالوسط المحلي وتولد شعور متزايد بالغربة والوحدة.

البدايات الشاقة والأثر الممتد للإجراءات الإدارية

وأكد الباحثون أن المرحلة الأولى للوصول تترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة تمتد لسنوات طويلة. وتتمثل أبرز عوامل الإجهاد النفسي والتنظيمي في: طول فترة انتظار قرارات اللجوء التي تضع المتقدمين في حالة قلق دائم وعدم يقين بشأن مستقبلهم.

والإقامة الممتدة في مراكز الاستقبال المؤقتة (AZC): وما يرافقها من نقص الخصوصية والاستقرار.

والتنقل المتكرر بين المراكز: مما يعيق بناء شبكات دعم اجتماعي ثابتة ويؤثر سلباً على استقرار الأطفال والدراسة.

 ودعاً مركز WODC وفريق البحث إلى ضرورة إحداث مراجعة شاملة لسياسات الاستقبال والاندماج الوطنية، مشددين على التوصيات التالية: التمكين والبدء المبكر: السماح لطلبة اللجوء بالانخراط فوراً في العمل والتعليم ودراسة اللغة دون إبطاء.

وتقليص فترة التنقلات عبر الحد من نقل اللاجئين بين مراكز الاستقبال المتعددة وتسريع تسكينهم في البلديات.

والدعم النفسي والاجتماعي من خلال تقديم استشارات تخصصية لمكافحة آثار الصدمات والعزلة الاجتماعية في مراحل الاستقرار الأولى.

ومكافحة التمييز وتعزيز التماسك: خلق بيئات مجتمعية تشجع على التواصل المباشر والروابط المتبادلة بين السكان الأصليين والوافدين الجدد.

إجمالي الوجود السوري

و يُقدر عدد الأشخاص من أصل سوري (المهاجرون وأبناؤهم) المقيمون في هولندا حالياً بنحو 160000 شخص.

ويأتي صدور التقرير في وقت تستضيف فيه مدينة روتردام نحو 2000 لاجئ على متن السفينة العملاقة Silja Europa لمواجهة الأزمة الخانقة في مأوى اللاجئين.

و يتقاطع التقرير مع نقاشات محتدمة في البرلمان الهولندي حول ملفات الهجرة والحياد السياسي لمنظمات الإغاثة، بالإضافة إلى تصاعد خطابات الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا بشأن سياسات اللجوء والاندماج.