"قتل آنا": كيف أوقعت باحثة سورية بمهندس "مجزرة التضامن" عبر الشاشة والاسم المستعار؟

فارس الرفاعي-عروبة:

من وراء الشاشات، وفي قلب العاصمة الهولندية أمستردام، لم تكن الأكاديمية والباحثة السورية "أنصار شحود" تعلم أن مقطع فيديو صادماً هرّب من سوريا سيعيد تشكيل حياتها وحياة الآلاف من عائلات الضحايا. بين ألسنة الخوف ورغبة العدالة، وُلدت شخصية "آنا" – الفتاة الموالية للنظام السوري – لتخوض واحدة من أكثر عمليات التحري الرقمي تعقيداً وخطورة في التاريخ الحديث، متتبعةً خيوط الجريمة حتى أسقطت القاتل في شباك اعترافاته.

اليوم، يطل الفيلم الوثائقي البريطاني "قتل آنا" (Killing Anna) – والمعروض بالسويدية تحت عنوان Täcknamn Anna (اسم حركي: آنا) عبر التلفزيون السويدي الرسمي (SVT) ضمن سلسلة "Dox" الشهيرة – ليقدم ولأول مرة التفاصيل الكاملة والسرية لكيفية استدراج الضابط في مخابرات النظام السوري أمجد يوسف، المتهم الرئيسي والمنفذ المباشر لمجزرة التضامن بدمشق.

مقطع فيديو يطارد الذاكرة

وفي نيسان/أبريل 2013، شهد حي التضامن جنوب العاصمة دمشق واحدة من أبشع الجرائم المصورة، حيث عُمد إلى إعدام عشرات المدنيين المعتقلين بدم بارد وإلقائهم في حفرة جماعية قبل إحراق جثثهم. ظل هذا التسجيل المروع طي الكتمان لسنوات حتى وصل إلى الفريق البحثي في مركز دراسات الإبادة الجماعية بجامعة أمستردام، بقيادة البروفيسور أوغور أوميت أونغور (Uğur Ümit Üngör) والباحثة أنصار شحود.

لم يكن المقطع بالنسبة لأنصار مجرد وثيقة تاريخية، بل كان كابوساً يطاردها ولا يفارق مخيلتها. ومن هنا بدأت رحلة الاستقصاء المضنية الممتدة على مدار 76 دقيقة، والتي يوثقها فيلم المخرج البريطاني سام بنستيد (Sam Benstead) في عرضه العالمي الأول لعام 2026.

عندما تتحول الباحثة إلى "شيرلوك هولمز" افتراضي

لم تعتمد الباحثة شحود على أساليب التحقيق التقليدية؛ بل لجأت إلى اختراق عالم الجناة الافتراضي عبر منصة "فيسبوك". خلقت أنصار شخصية خيالية تحت اسم مستعار وكود سرّي هو "آنا"، أظهرتها بمظهر فتاة شديدة الولاء لنظام الأسد.

عبر هذا الخداع الرقمي المنظم، تمكنت "آنا" من اختراق الأوساط المغلقة لضباط النظام والوصول إلى أمجد يوسف ورفاقه، بل والتواصل مع شخص ادعى أنه رئيسه المباشر. استمرت المحادثات والمكالمات لسنوات، سبرت خلالها أنصار أعماق غرور القاتل وضميره المكبوت، حتى استدرجته تدريجياً ليدلي باعترافات صريحة ومباشرة عن عمليات التصفية والانتقام وقتل الضحايا، مستعرضاً أفعاله أمام "الفتاة الرقمية".

شهادات الناجين والثمن النفسي الباهظ

لا يكتفي الفيلم بفك أسرار الاستدراج الإلكتروني، بل يغوص في الأبعاد الإنسانية والنفسية العميقة. يسلط العمل الضوء على "الصدمة النفسية" الحادة والعبء الوجداني الثقيل الذي تحملته الباحثة السورية نتيجة قضائها سنوات طويلة في التحدث مع القاتل ومراجعة مقاطع الفيديو الوحشية للمجازر.

كما يتضمن الفيلم مقابلات استثنائية مع ناجين من مجزرة التضامن؛ يروي أحدهم كيف شاهد أمجد يوسف وهو يطلق النار عليه شخصياً ليتلقى رصاصات في ظهره، بينما يروي آخر قصة نجاته المعجزة من الحفرة الجماعية رغم اختراق 28 رصاصة لجسده وظهره.

أدلة جنائية وخيوط جديدة أمام القضاء

يمثل الفيلم، الذي حظي بمراجعات واهتمام واسع في الصحافة العالمية (من بينها مراجعة الناقد السينمائي فيل هواد في صحيفة "الغارديان" البريطانية)، مادة جنائية واستقصائية بالغة الأهمية. فإلى جانب اعترافات أمجد يوسف، ويتضمن الفيلم صوراً ومعلومات عن زملاء له ومشتبه بهم آخرين قد يكونون متورطين في عمليات التصفية، إضافة إلى تفاصيل عمليات البحث الميداني للتحقق من هوية المنفذين في دمشق.

ويرى مراقبون وحقوقيون أن محتوى الفيلم يمثل خيطاً دليلياً جديداً يجدر توجيهه لنيابات التحقيق واللجان الجنائية الخاصة بسوريا، لما يحويه من شهادات وأسماء قد تسهم في فتح ملفات محاسبة جديدة ضد المتورطين.

نهاية "آنا".. والشرارة التي لا تنطفئ

بعد اكتمال التحقيق وكشف الستار عن الجريمة للعلن، انتهت رحلة "آنا" الرقمية؛ إذ يوثق الفيلم قيام أنصار شحود بـ "حرق الاستديو" المخصص وإتلاف كافة المواد والمتعلقات الخاصة بالهوية المزيفة، واختفائها عن النشاط الرقمي العام تحت وطأة التهديدات الأمنية المباشرة.

وخلاصة القول أن "قتل آنا" يجمع بين الدراما الاستقصائية والتوثيق الجنائي النفسي، ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للمرء أن يلامس النار دون أن يحترق بها؟ وهل تكفي الحيلة والذكاء الافتراضي لمواجهة أكثر الأنظمة وحشية؟

تنويه للمشاهدين: يُنصح بالحذر عند مشاهدة الفيلم نظراً لما يحتويه من مشاهد وأحاديث صادمة للانتهاكات الجنائية والمجازر.