من «التطهير» إلى القبضة الأمنية: نهاية السجل الأسود لـ «علي كيالي» قائد مجزرة البيضا

 فارس الرفاعي – عروبة

صدحت مآذن بلدة "البيضا" بريف بانياس بالتكبيرات والحمد، في مشهد أعاد إلى الأذهان ذاكرة واحدة من أشد المحطات قسوة في تاريخ الجرائم ضد الإنسانية في سوريا. وجاء هذا التفاعل الشعبي عقب تداول أنباء عن إلقاء القبض على الملازم السابق والمستشار الأمني، علي كيالي، المعروف باسمه الأصلي "معراج أورال"، المتهم الرئيسي بفرز وقيادة المجموعات التي ارتكبت مجزرة البيضا ورأس النبع عام 2013

وشكلت عملية توقيف معراج أورال محطة بارزة بعد سنوات طويلة من تواريه عن الأنظار ومحاولاته التملص من العدالة، حيث أحيطت العملية بخطة أمنية واستخباراتية دقيقة ،

وأُلقي القبض على أورال عقب عملية رصد ومتابعة دقيقة لنشاطاته وتحركاته وتنقلاته السرية بين عدة مناطق شريطية وحزبية، بعد تضييق الخناق عليه ورفع الغطاء الأمني والتنظيمي الذي كان يتمتع به.

كمين محكم

 وتم تنفيذ عملية المداهمة والاعتقال عبر كمين نوعي أشرفت عليه جهات أمنية مختصة دون إتاحة الفرصة لمجموعته أو مرافقته لإبداء أي مقاومة مسلحة أو التغطية على فراره.

وتم نقل أورال فور توقيفه إلى مركز احتجاز أمني تحت حراسة مشددة تمهيداً لفتح تحقيقات موسعة معه، وتسليمه للمراجع القضائية المختصة للبت في الجرائم والانتهاكات المنسوبة إليه.

وتعود تفاصيل القضية إلى يومي 2 و3 مايو (أيار) 2013 عندما اقتحمت قوات أمنية وميليشيات موالية للنظام السوري السابق، بقيادة ميدانية لأورال، قرية البيضا وحي رأس النبع في مدينة بانياس بمحافظة طرطوس.

وأسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 459 مدنياً، من بينهم 93 طفلاً و  71 امرأة، إضافة إلى عشرات المفقودين.

ووثق حقوقيون وشهود عيان طرق تنفيذ الجريمة التي شملت الإعدامات الميدانية المباشرة، واستخدام الأسلحة البيضاء، والحرق، والحجارة، في إطار حملة ذات طابع طائفي وانتقامي.

وكانت منظمات حقوقية، وفي مقدمتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قد أصدرت تقارير تفصيلية في 10 مايو 2013 اعتمدت على اتصالات مباشرة مع الناجين وجمع الشهادات والصور تحت ظروف أمنية معقدة.

وقد شكلت تلك التقارير مادة مرجعية اعتمدت عليها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة، ومقاطع من تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش، للتدليل على وقوع انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

عنف عابر للحدود

وتعتبر شخصية معراج أورال (علي كيالي) نموذجاً للتقاطع بين الشبكات المسلحة العابرة للحدود والأجهزة الأمنية:البدايات (السبعينيات): برز في تركيا ضمن تنظيمات يسارية مسلحة، وتولى قيادة ما عُرف بتنظيم "المستعجلين" (الجبهة الشعبية لتحرير إسكندرون).

وعقب اعتقاله في تركيا عام 1978 في قضية سطو مسلح، فر من السجن عام 1980 ودخل سوريا، حيث حصل على الحماية والجنسية السورية برعاية شخصيات نافذة في النظام السوري حينها.

وأسس علاقات مع أجهزة استخباراتية، وشارك في أدوار أمنية لملاحقة معارضين، ورابطت مجموعاته بعلاقات مع قيادات مختلفة في المنطقة. ومع انطلاق الحراك الشعبي، ظهر أورال قائدًا لمجموعة مسلحة تُدعى "المقاومة السورية"، وانخرطت قواته في عمليات التمشيط والاقتحام بالساحل السوري، حيثُ صرح علانية في مقاطع مصورة بضرورة "تطويق بانياس وتطهيرها".

أفق العدالة والمسؤولية القانونية.

ويمثل وضع أورال تحت التوقيف فرصة لإعادة فتح التحقيقات القضائية المتعلقة بسلسلة الانتهاكات في الساحل السوري، واختبار مدى قدرة الآليات القانونية الوطنية والدولية على ملاحقة المتورطين في إعطاء الأوامر والتخطيط والتنفيذ.

ويرى ناشطون وعائلات الضحايا أن المحاسبة القضائية لا تقتصر على شخص واحد، بل تمتد لتفكيك المنظومة التي أتاحت وقوع هذه الجرائم وضمان عدم تكرارها.