قبرص تدشن مرحلة "الإعادة القسرية" وتشدد الخناق على الهجرة غير النظامية

 فارس الرفاعي-عروبة:

في تحول جذري ضمن سياستها المتبعة تجاه ملف اللجوء والهجرة، أعلنت الحكومة القبرصية الانتقال رسمياً إلى مرحلة "الإعادة القسرية" للمواطنين السوريين الذين رُفضت طلبات لجوئهم أو أُلغي وضع الحماية الدولية الخاص بهم.

ويأتي هذا القرار بالتوازي مع حزمة إجراءات أمنية وإدارية حازمة تستهدف ضبط مراكز الاستقبال، ومواجهة التلاعب بتصاريح إقامة الطلاب، وتفكيك شبكات التهريب الدولية.

وفقاً لما نقله موقع Sigma Live الإخباري عن تصريحات صريحة أدلى بها نائب وزير الهجرة والحماية الدولية القبرصي، نيكولاس إيوانيدس، خلال مشاركته في برنامج "بروتوسيليدو" على قناة "سيجما تي في"، فإن السلطات في نيقوسيا تعتبر أن الظروف السياسية والأمنية داخل الأراضي السورية قد شهدت تغيرات ملموسة، مما ينفي – بحسب التقييم الحكومي القبرصي – المبررات القانونية لاستمرار الحماية لعدد كبير من المقيمين.

تفكيك ملف اللجوء السوري: رفض وحظر وإعادة قسرية

وكشف إيوانيدس لـ "سيجما لايف" عن أرقام دقيقة تعكس الحجم الفعلي للمراجعات الجارية، مشيراً إلى أن السلطات القبرصية رُفضت أكثر من 5000 طلب لجوء لسوريين منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، مع إخضاع الحالات الواصلة سابقاً لمراجعات دقيقة لمطابقتها مع المعايير الحالية.

وقال نائب الوزير: "لقد وفرت قبرص الحماية والإيواء لمن كانوا يواجهون خطراً حقيقياً، لكننا ننتقل الآن إلى مرحلة الإعادة القسرية للذين لم يعودوا مؤهلين للبقاء قانونياً".

وشدد إيوانيدس على أن هذه القرارات حظيت بوفاء واختبارات قانونية أمام المحاكم القبرصية، مما يؤكد ممارسة السياسة الحكومية تحت مظلة القانون الوطني والدولي.

وعن مسار العودة الاختيارية، أوضح المصدر أن نحو 6000 سوري غادروا الجزيرة بالفعل بشكل طوعي، بينما أَبدى 6000 آخرون رغبتهم بالعودة.

وأقرت الحكومة برنامجين لدعم العودة الطوعية الممولة، ينتهي برنامجها الثاني بحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

وتُعد قبرص واحدة من أكثر دول الاتحاد الأوروبي تأثراً بضغط الهجرة نسبةً إلى عدد سكانها. وتأتي هذه الخطوات استكمالاً لمساعٍ بذلتها نيقوسيا للدفع نحو "إعادة تقييم مناطق داخل سوريا باعتبارها آمنة" على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهو التصور الذي يواجه جدلاً حقوقياً واسعاً، لكنه يلقى قبولاً متزايداً لدى دول حوض المتوسط الشريكة.

انخفاض قياسي للوافدين.. واستراتيجية "المحاور الأربعة"

وأظهرت البيانات الصادرة عن وزارة الهجرة القبرصية ونشرها "سيجما لايف" تراجعاً حاداً في أعداد المهاجرين غير النظاميين بنسبة 92% مقارنة بعام 2020.

وانخفضت أعداد الوافدين الجدد من زهاء 22000 مهاجر في عام 2022 إلى نحو 1400 وافد فقط حتى عام 2026

ونجحت قبرص في تنفيذ ما يقرب من 40000 عملية إعادة لمهاجرين غير نظاميين خلال السنوات الثلاث الماضية.

وعزا إيوانيدس هذا الهبوط الحاد إلى إقرار استراتيجية حكومية متكاملة من أربعة محاور: "المنع والاستباق": عبر تسيير دوريات مكثفة على امتداد "الخط الأخضر" (الفصل بين الشطرين اليوناني والتركي) وتغليظ المراقبة البحرية.

و" تسريع وتيرة البت في طلبات اللجوء لتقليص فترات الانتظار". و"تحسين وتحديث مراكز الاستقبال للوفاء بمتطلبات اللجوء الأوروبية"، و"رفع معدلات الإعادة" من خلال تكثيف عمليات الترحيل والعودة الطوعية".

وأشار إيوانيدس إلى تحول نمط المهاجرين السوريين الجدد، موضحاً أن القادمين مؤخراً باتوا يتألفون غالباً من أفراد يبحثون عن فرص عمل، وليس من عائلات هاربة من أخطار وتهديدات أمنية مباشرة.

وفي ملف الأمن الداخلي وإدارة الأزمات، أعلن نائب الوزير عبر "سيجما لايف" عن انتهاء العقد الموقع مع الشركة الأمنية الخاصة المسؤولة عن حراسة مركز استقبال "بورنارا"، متعهداً بتولي جهاز الشرطة القبرصية المهام الأمنية بشكل مؤقت.

وتأتي هذه الخطوة في إطار خطة شمولية أوسع تستهدف استبدال حراس الشركات الخاصة بضباط شرطة نظاميين في كل من مركزي "بورنارا" و"كوفينو". وكشف إيوانيدس عن عقد اجتماع رفيع المستوى ضم وزيري العدل والدفاع لمناقشة ترتيبات عمليات الانتقال التدريجي ودعم الشرطة بالتوظيف الإضافي المطلوب.

حالة تأهب قصوى

ورغم انحسار الوافدين براً وبحراً، أكد إيوانيدس بقاء الأجهزة الأمنية في حالة تأهب قصوى، لا سيما مع وجود آلاف المهاجرين من دول ثالثة في الشطر الشمالي (الذي لا تسيطر عليه الحكومة القبرصية)، دخل بعضهم بعناوين الدراسة في جامعات غير معترف بها.

ولم تقتصر الإجراءات الحكومية على ملف اللجوء، بل امتدت لتشمل تنظيم سوق العمل والإقامات الدراسية. فقد أعلن إيوانيدس عن حزمة تدابير جديدة مرتقبة لمواجهة إساءة استخدام تصاريح إقامة الطلاب من قِبل رعايا دول ثالثة مسجلين في كليات ومعاهد خاصة.

وأوضح المسؤول القبرصي أن التحقيقات رصدت التحاق أجانب بمؤسسات أكاديمية دون التزام بالحضور الفعلي، والانخراط بدلاً من ذلك في سوق العمل بشكل غير قانوني (مثل قطاع البناء) بتجاوز للحدود المسموح بها. وتجري الحكومة مشاورات مع القائمين على المؤسسات الأكاديمية لحماية مصداقية التعليم العالي القبرصي دون التأثير على سمعة قبرص كمركز تعليمي دولي.

وفي السياق ذاته، حذر إيوانيدس من أن الدولة لن تتهاون مع أي "سلوك إجرامي" أو إخلال بالنظام العام من قِبل الأجانب، مؤكداً إصدار تعليمات سابقة بإلغاء تصاريح إقامة لعمال وطالبين باكستانيين تورطوا في حوادث ومخالفات مساس بالأمن.

الشراكة الأوروبية والاندماج الشرعي

وعلى الصعيد الأوروبي والدولي، بيّن تقرير "سيجما لايف" أن قبرص نجحت في تمويل عمليات تحديث مراكز الاستقبال بالكامل عبر ميزانيات الاتحاد الأوروبي دون تحميل ميزانية الدولة أي أعباء.

وأتاح التحديث إتمام طلبات اللجوء في مدة لا تتجاوز 12 أسبوعاً، بل وأقل من ذلك لبعض الجنسيات.

واختتم إيوانيدس تصريحاته بالتمييز بين الهجرة غير النظامية والمقيمين القانونيين، مشيداً بالدور الاقتصادي والمجتمعي للعديد من السوريين واللبنانيين القادمين منذ عقود.

ولفت إلى أن استراتيجية الدولة توازن بشكل حاسم بين التطبيق الصارم للقانون وإعادة الترحيل من جهة، وبين تعزيز الاندماج الاجتماعي وضبط احتياجات سوق العمل الرسمية من جهة أخرى.