من شوارع دمشق إلى أروقة التحقيق في موسكو: قصة "قناص ألماني" تنتهي في قبضة الأمن الفيدرالي الروسي
فارس الرفاعي-عروبة:
في تطور لافت يعيد تسليط الضوء على شبكات المرتزقة العابرين للحدود، أعلن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) يوم الأربعاء 21 أكتوبر/تشرين الأول، عن اعتقال مواطن ألماني وُجهت إليه تهم القتال كمرتزق في صفوف القوات المسلحة الأوكرانية. غير أن ما يمنح هذه القضية أبعاداً استثنائية هو السجل القتالي الداكن للموقوف، لا سيما نشاطه الميداني المبكر في سوريا بين عامي 2008-2010 والذي يفتح باب التساؤلات حول مسارات تحول المقاتلين الأجانب عبر ساحات الصراعات العالمية.
وبحسب المعطيات الاستخباراتية التي نشرها الأمن الفيدرالي الروسي، لا يعد المعتقل وافداً جديداً على عالم المرتزقة والحروب بالوكالة؛ بل يمتلك سجلاً عسكرياً موغلاً في التعقيد. ووصل إلى أوكرانيا في نوفمبر الماضي ووقع عقداً لمدة ثلاث سنوات مع القوات المسلحة الأوكرانية، لكنه فرّ لاحقاً دون أن يتلقى الأجر الموعود.
ووفق تقرير صحفي لموقع dw الألماني فإن المحطة الأكثر إثارة في خلفية المقبوض عليه تتعلق بتواجده في سوريا بين عامي 2008-2010 وهي الفترة التي سبقت اندلاع الحرب السورية، حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى نشاطه هناك بصفة "مرتزق" ضمن شبكات غير رسمية ومناطق توتر إقليمية كانت تشهد حراكاً أمنياً وعسكرياً معقداً.
ويعكس هذا السجل العابر للبحار والقارات شبكة علاقات واستقطاب دولية يستغلها أشخاص ذوو خبرات قتالية عالية لتحقيق مكاسب مادية في مناطق النزاع الملتهبة حول العالم.
كواليس السقوط في أوكرانيا: الخلاف على المال
أما الفصل الأخير من مغامرات هذا القناص، فقد بدأت فصوله بين عامي 2016و2018 حين خدم في وحدة دفاع إقليمي تابعة للجيش الأكرواني (إلى جانب متطوعين بريطانيين). وبعد غياب قصيرة، عاد الرجل في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى أوكرانيا موقعاً عقداً مدته ثلاث سنوات طمعاً في جني أرباح طائلة من العمليات القتالية.
إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن؛ فحسب رواية المخابرات الروسية، فرّ الموقوف من الخدمة طواعيةً بعد تعرضه لـ"خديعة مالية" تمثلت في امتناع القيادة عن صرف الأجور المتفق عليها، لينتهي به المطاف هارباً ومطارداً قبل أن تقع الروسية عليه.
نشرت وكالة الأنباء الروسية الرسمية تاس مقطع فيديو لاستجواب المحتجز. ويزعم الرجل الظاهر في الفيديو أنه وُعد بمبلغ "100 ألف هريفنيا" (ما يعادل 1990 يورو تقريبًا)، لكنه لم يتسلمه. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا المبلغ يمثل كامل قيمة العقد.
وتدرس السلطات القضائية الروسية حالياً إمكانية فتح دعوى جنائية رسمية بموجب المادة 359 من قانون العقوبات الروسي المتعلقة بالعمل كمرتزق، والتي توفر أرضية قانونية قد تفضي إلى حكم بالسجن تصل مدته إلى 15 عاماً.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أكدت وزارة الخارجية الألمانية عبر متحدثتها كاثرين ديشاور في مؤتمر صحفي، علم الوزارة بالتقارير المتعلقة باعتقال المواطن الألماني. وقالت ديشاور: "الهدف الأساسي هو توضيح ملابسات القضية، ونحن نعمل على ذلك، بالطبع، بما في ذلك من خلال سفارتنا في موسكو", مشيرة إلى جاهزية الجهاز الدبلوماسي لتقديم المساعدة القنصلية المعتادة لأي مواطن يطلبها بغض النظر عن طبيعة قضيته.
شبكة أجانب تتهاوى على الجبهة الروسية
ولا يُعد هذا الاعتقال حالة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة عمليات أمنية نشطة أعلن عنها جهاز الأمن الفيدرالي مؤخراً؛ أبرزها اعتقال مواطن سويدي في منطقة بسكوف كان يخطط لأعمال تخريبية بعد قتاله في أوكرانيا، فضلاً عن أحكام غيابية صدرت بحق مرتزقة أمريكيين مثل مايكل بول مالدونادو. وتأتي هذه التطورات في وقت تقدر فيه موسكو (عبر السفير المتجول روديون ميروشنيك، استناداً إلى بيانات أمينة المظالم العسكرية الأوكرانية أولغا ريشيتيلوفا) أعداد المرتزقة الأجانب الذين خدموا في صفوف القوات الأوكرانية بنحو 16 ألفاً إلى 10 ألف مقاتل ينتمون إلى 72 دولة، ما يرفع من حدة الصراع الاستخباري والقانوني حول مصير هؤلاء المقاتلين الدوليين.
وبحسب مراقبين شهدت فترة ما بعد غزو العراق عام 2003 نشاطاً مكثفاً لشركات المتعاقدين الأمنيّين الحماة والأفراد ذوي الخلفيات العسكرية الاستخباراتية في منطقة الشرق الأوسط (التي شملت سوريا، العراق، ولبنان).
وعمل العديد من قدامى المقاتلين الألمان (ممن خدموا سابقاً في الجيش الألماني Bundeswehr أو في قوات حفظ السلام الدولية في أفغانستان والبلقان) مع شركات أمنية خاصة لحماية الشخصيات، إجراء المسوحات الميدانية، أو المشاركة في عمليات تجارية وأمنية غير رسمية في الشرق الأوسط.
وكانت سوريا في تلك الفترة مسرحاً لتواجد استخباراتي دولي معقد؛ حيث كانت دمشق محطة لعمليات الرصد والتحري المتعلقة بالشبكات العابرة للحدود التي تنشط بين العراق وسوريا ولبنان.












