صدمة المخطوطة بدمشق: حين اصطدم "واسيني الأعرج" بحراس الفصاحة

فارس الرفاعي-عروبة:

في مشهد يعكس تعقيدات العلاقة بين النص الأدبي المتأثر بتعددية الثقافات وصرامة المعايير الأكاديمية التقليدية، أثار الروائي الجزائري البارز واسيني الأعرج نقاشاً واسعاً ووجدانياً حول تجربته مع اتحاد الكتاب العرب في دمشق.

 الواقعة التي تجسدت في مفارقة طريفة ومؤلمة في آنٍ واحد، سلطت الضوء على أسئلة الهوية اللغوية، وتأثير العيش في فضاءات ثقافية متعددة على البناء الروائي، وحدود التجريب في العربية المعاصرة.

مفارقة المخطوطات والرفض المؤقت

بدأت الحكاية حين حمل الروائي واسيني الأعرج معه إلى دمشق مخطوطات لأصدقاء ورفاق دربه، من بينهم ديوان شعري، ومجموعة قصصية للروائي المعروف الحبيب السايح، إلى جانب مخطوط عمل إبداعي خاص به قام الأعرج بتسليم هذه الأعمال إلى اتحاد الكتاب العرب لنشرها ودعمها، مدفوعاً بروح التضامن وخدمة زملائه الكتاب، حيث كان يتمنى أن يُرى اسمه ومخطوطات رفاقه ترى النور

لكن المفارقة جاءت صادمة وغير متوقعة؛ فقد تمت الموافقة على طباعة ونشر أعمال رفاقه، بينما قوبل عمله الخاص بالرفض أو بتقرير نقدي سلبي من اتحاد الكتاب، جاء فيه بالحرف: «الجملة ليست دائماً عربية، ونحن نشترك مادياً في طباعة هذا الكتاب لكن لا يتبناه اتحاد الكتاب»

صدمة البداية.. والاعتراف الهادئ

يعترف الأعرج لمنصة "أثير" بأنه انزعج بشدة في البداية من هذا الموقف، متسائلاً عن الأسباب الكامنة خلف هذا الحكم النقدي، وعندما راجعهم مستفسراً، جاءه التوضيح بأن بعض جمله بدت كأنها «مترجمة حرفياً من اللغة الفرنسية»، وأن تراكيبها النحوية والدلالية تفارق المألوف في النسق البلاغي العربي التقليدي.

وبحسب الأعرج فإن هذا الاتهام أثار حفيظته أولاً، لكنه في لحظة هدوء داخلي ومراجعة نقدية عميقة، وجد أن بعض ما ورد في نصه يحمل بالفعل بصمات التفكير باللغة الفرنسية وأثرها على البناء السردي العفوي، وقد وُجهت له نصيحة بضرورة مراجعة نصه وتنقيبه لغوياً قبل تقديمه للنشر المؤسساتي.  

دفاع عن التجريب أم تبرير للنقص؟

ولم يتوقف النقاش عند حدود الخطأ اللغوي العابر، بل انفتح على أفق نظري وفلسفي أعمق حول طبيعة اللغة العربية وقدرتها على استيعاب التحولات الحداثية. فبينما اعتبرت المؤسسة النقدية ذلك «نقيصة» تعيب النص، يرى واسيني الأعرج من زاويته ككاتب يعيش بين ثقافات متعددة (عربية وغربية) أن اللغة العربية لكي تظل حية ونابضة، يجب ألا تبقى محبوسة في قوالب جامدة لم تتغير منذ قرون طويلة، بل لا بد لها من أن تتشرب عناصر تركيبية جديدة تضخ فيها حيوية متجددة.  

إلا أن الأعرج يقر بشفافية نادرة بأن هذا الخطاب قد يبدو أحياناً كـ «محاولة تبرير» أمام صرامة النص النحوي الكلاسيكي، ويستشهد في هذا السياق بالتجربة الفرنسية في أدب ما وراء البحار (Littérature francophone)، حيث استطاعت أدبيات أمريكا اللاتينية وأفريقيا والمهجر أن تخلق لغة فرنسية موازية (كريولية - Créole) تحمل في جوهرها أرواحاً ثقافية أخرى، وُقبلت واستُثمرت بشكل إيجابي دون أن تُقابل بردة فعل سلبية مدمرة .

وتفتح هذه الواقعة الباب واسعاً أمام إشكالية كبرى يعاني منها الأدب العربي المعاصر وهي أزمة المنفى والتثاقف (Acculturation): فالكتاب العرب المقيمون في الغرب، مثل واسيني الأعرج المقيم في فرنسا، يعيشون طنيناً لغوياً مستمراً. تتداخل في وعيهم اللاواعي البنى الدلالية للغة المهجر مع جذورهم اللغوية الأولى، مما ينتج أسلوباً سردياً خاصاً قد يصطدم بالمعايير الكلاسيكية السائدة في المؤسسات الثقافية التقليدية.

 وتظل اتحادات الكتاب والروابط الرسمية في العالم العربي حارسة للبوابة اللغوية (Gatekeepers)، وغالباً ما تتمسك بمعايير فصاحة وتحرير صارمة تحمي التراث النحوي، لكنها في المقابل قد تبدو محافظة بشكل مفرط أمام محاولات التجديد الأسلوبي وتحديث البنى التعبيرية.

 وبقدر ما يحتاج الروائي إلى صفاء اللغة العربية الأم، بقدر ما يحتاج أيضاً إلى التحرر من القوالب المتحجرة التي قد تفقد النص روحه المعاصرة النابضة بالحياة.

وتبقى تجربة واسيني الأعرج في اتحاد الكتاب بدمشق شهادة حية على التوتر الخلاق بين سلطة القالب وحرية التجريب، ومرافعة بليغة حول الأسئلة الشائكة التي تواجه الكاتب العربي وهو يحاول ترقيع المسافات بين عالمين وثقافتين.