«الحماميات» بريف حماة: الألغام تحوّل عودة النازحين إلى مأساة... والطفل «عكرمة» أحدث الضحايا

 فارس الرفاعي-عروبة:

لم يكن الطفل عكرمة محسن الخضر، ابن التسع سنوات، يحمل سلاحاً أو يقود مواجهة؛ كان يحمل طفولته وحلمه الغض، وضحكة ملأت أزقة قرية "الحماميات" بريف حماة الشمالي الغربي، قبل أن تغتال طفولته شبكة من الألغام الأرضية زرعها النظام البائد قبل أن يولد عكرمة نفسه. قضى الطفل مساء الأحد متأثراً بجراحه البالغة، ليرتفع اسمه كشاهد جديد على مأساة لم تنتهِ بانتهاء المعارك، بل تحولت إلى "موت صامت" يتربص بالمدنيين والأطفال عند كل خطوة.

وتأتي وفاة الطفل عكرمة بعد أيام قليلة من انفجار لغم أرضي به أثناء لعبه بالقرب من منازل القرية، مما أسفر عن إصابات بليغة شملت بتر يده وقدمه، وفقدان بصره، وتشويه وجهه، ليُفجع أهله بوفاته بعد محاولات طبية مضنية لإنقاذه.

ولم يكن عكرمة مجرد رقم يضاف إلى سجلات الضحايا، بل كان -كما يصفه ذووه- "ضحكة بيت وفرحة لأمه وأبيه"، خرج ليمارس حقه البسيط في اللعب، ليعود محمولاً على الأكتاف في قرية لا تزال تضم بين ترابها مئات المقذوفات غير المنفجرة.

الحماميات: تاريخ من التضحية

وتُعتبر قرية "الحماميات" الواقعة في ريف حماة الشمالي الغربي إحدى القرى التي قدمت تضحيات جساماً منذ بدايات الثورة السورية؛ إذ تعرضت لدمار كامل حتى لم يبقَ فيها حجر على حجر، وعاش سكانها بكامل تعدادهم في مخيمات الشتات والنزوح منذ السنة الثانية للثورة. وعلى الرغم من تحرير القرية وعودة الأهالي إلى بيوتهم وأراضيهم الزراعية أملاً في استعادة حياتهم، إلا أن طعم الأمان ما يزال غائباً.

لقد تحولت شوارع القرية وحقولها إلى حقول ألغام عشوائية، حيث أقدمت قوات النظام البائد على زرع آلاف الألغام في محيط القرى والبلدات والأراضي الزراعية دون وجود خرائط أو توثيق، مما جعل أجساد الأطفال والمدنيين كاشفات ألغام اضطرارية في ظل غياب فرق المسح والهندسة الميدانية.

عائلات كاملة تحت مقصلة الإعاقة والموت

ولعل فاجعة الطفل عكرمة ليست حادثة فردية أو عابرة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الحوادث المفجعة التي ضربت العائلة نفسها والقرية خلال فترة وجيزة، وفق ما وثقته شهادات الأهالي: وكانت عمة العائلة قد استشهدت قبل أكثر من عام جراء انفجار لغم أرضي في القرية ذاتها. كما بترت يد ابن أخ العائلة في حادثة منفصلة.

وأدى انفجار لغم إلى فقدان أحد أفراد العائلة لبصره وإصابة الآخرين بجروح وكسور بالغة برفقة عمهم.

كما أصيب طفل آخر من الأقارب بتشوهات وإصابات جسيمة، تلاها استشهاد الطفل عكرمة بعد رحلة معاناته مع الإصابة.

وهذا التكرار المأساوي أوجد حالة من الرعب والذعر الدائمين لدى الأهالي، حيث بات الخوف من الخروج إلى الحقول أو السير في الأزقة واقعاً يهدد كل أسرة.

5 بنود لتأمين الحياة

أمام هذه الكارثة الإنسانية والنزيف المستمر، وجه أهالي قرية الحماميات وفعالياتها المدنية نداءً عاجلاً إلى الحكومة والجهات المختصة، وإلى سيادة الرئيس أحمد الشرع، مطالبين بالتدخل الفوري عبر إجراءات عملية ومحددة تتمثل في:

تسيير الفرق الهندسية المختصة: "إرسال فرق كشف وإزالة الألغام وسرايا الهندسة إلى القرية بشكل عاجل لمسح الأزقة والأراضي الزراعية" و"تأمين المداخل والمناطق السكنية"و"تأمين القرية ومداخلها وأراضيها ومناطق تجمع السكان قبل مطالبة الناس بالعودة أو استخدامها" و"الإعلان عن جدول زمني محدد لتطهير القرية من الألغام، مع تحديد الجهة المسؤولة والمدة الزمنية".

و" توثيق جميع الضحايا والمصابين وتقديم الرعاية الطبية والتعويضات اللازمة للمتضررين وذوي المتوفين"إلى جانب ضبط حركة العودة إدارياً وعدم السماح باستمرار عودة المدنيين إلى مناطق لم يتم التأكد التام من خلوها من الألغام والمخلفات الحربية.

وتقف قرية الحماميات اليوم عند مفترق طرق بين إرادة أهالها في البقاء وإعادة الإعمار، وبين خطر داهم يستنزف أرواح أطفالها. ولعل المأساة التي طالت الطفل عكرمة محسن الخضر تتطلب تجاوز بيانات التعزية والوعود المؤجلة إلى خطة عمل ميدانية عاجلة؛ فالأرض التي استُعيدت بالتضحيات تستحق أن تكون آمنة لأهلها، لا مقبرة مفتوحة لأحلام أطفالها.