قصر "الزهراوي" بحمص: استثمارٌ غامض يهدد 750 عاماً من التراث
فارس الرفاعي-عروبة:
أثارت أعمال البناء الجارية داخل «قصر الزهراوي» التاريخي بمدينة حمص أزمة قانونية وثقافية، بعد رصد تجاوزات معمارية ألحقت أضراراً بالمعلم الأثري دون إفصاح رسمي عن طبيعة الاستثمار المعتمد. وفيما تحذر أوساط حقوقية من مخالفة مرسوم استملاك العقار الصادر لصالح المنفعة العامة، تُطرح مبادرات أهلية لإيقاف التعديات وإعادة توظيف القصر كمرفق ثقافي يخدم المجتمع الحمصي.
وفي ظل غياب بيان رسمي توضيحي من وزارة الثقافة أو المديرية العامة للآثار والمتاحف، تُطرح علامات استفهام حول طبيعة العقد أو المشروع والمستثمر المفترض الذي تسلّم الموقع.
وفي هذا السياق أكد الحقوقي شوقي عاصم الزهراوي، ممثل العائلة، أن المعاينة الميدانية والتواصل مع الورشات والمهندسين المتواجدين في الموقع لم يسفرا عن أي إفادات واضحة بشأن ماهية المشروع أو الجهة التي منحته. واعتبر أن ما يحدث داخل الساحة والغرف يتجاوز مفهوم الترميم العلمي الدقيق ليلامس حدود التغيير والتخريب للمعالم الأصلية.
أبعاد قانونية: حماية حق الملكية والنفع العام
وتفتح هذه التطورات ملف القانونية والشرعية للمباني المستملكة لصالح الدولة. فقصر الزهراوي صُدر بحقه مرسوم الاستملاك رقم 2827 بتاريخ 10 يناير 1977 (المكمل لقرار الاستملاك الصادر في نهاية عام 1976)، واستُملك لصالح المديرية العامة للآثار والمتاحف بغرض تحويله إلى "متحف للتقاليد الشعبية".
وتستند القراءة الحقوقية للقضية إلى قواعد القانون والشرائع التي تنص على أن نزل الملكية الخاصة لا يكون إلا لـ "النفع العام". وبالتالي، فإن تحويل العقار المستملك إلى أغراض استثمارية خاصة أو تجارية خارج هذا السياق يفقد قرار الاستملاك مشروعيته القانونية، ويعد مخالفة للهدف الأساسي الذي قُطعت من أجله الملكية الفردية.
وتزداد التساؤلات تعقيداً عند مقارنة الشروط الصارمة التي فُرضت على العائلة أثناء ترميمها للمصلى الملاصق للقصر (مسجد الشيخ موسى الزهراوي) على نفقتها الخاصة عام 2023؛ حيث أخضعت مديرية الآثار تلك الأعمال لمراقبة يومية مشددة ومنعت استخدام أي مواد قد تضر بالبناء، في حين تُترك الأعمال الحالية تجري بعيداً عن الشفافية والإفصاح العام.
750 عاماً من العمارة والذاكرة الوطنية
ولا تكمن أهمية قصر الزهراوي في قيمته العقارية فحسب، بل في كونه سجلاً معمارياً حياً يتألف من طبقات حضارية متراكمة يمتد تاريخها لأكثر من سبعة قرون ونصف:
الجذور البيزنطية والأيوبية: كشفت التحريات الأثرية عام 1990 عن وجود مدفن وأقبية بيزنطية تحت الجناح الجنوبي، تعلوها إنشاءات أيوبية ومملوكية مبكرة شيدها التاجر علي بن أبي الفضل الأزهري عام 661هـ.
ويضم القصر جناحاً للحكم أنشئ عام 665 هـ، إضافة إلى زاويّة الشيخ موسى الزهراوي المؤرخة في الوقفيات القديمة.
العهد العثماني والنهضة الفكرية
ويتجلى هذا العصر في القصر الغربي الذي شهد نشاط الشيخ عبد الحميد الزهراوي، أحد أبرز رواد النهضة الفكرية والسياسية في سوريا. كما احتضن القصر تأسيس أول غرفة تجارية حاكمية في مدينة حمص.
ويتميز القصر بأسلوب معمار حمص الفريد الذي يعتمد الحجر البازلتي الأسود، والإيوان الصيفي المتوج بقبة صدفية ومقرنصات ركنية، فضلاً عن العقود والأقواس الثلاثية الفصوص. وكان المخطط المعتمد للمبنى يستهدف تحويله إلى متحف يضم الحرف اليدوية المنقرضة، والأثاث الريفي والحمصي القديم، والأزياء التقليدية والأهازيج الشعبية.
مبادرة أهلية لحماية التراث
أمام هذا المشهد، قدمت عائلة الزهراوي مبادرة موجهة إلى وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف، تتضمن استعداد العائلة الكامل لاستلام إدارة القصر وتحويله إلى مكتبة عمومية على نفقتها الخاصة، تحت مظلة وإشراف وزارة الثقافة، بشرط استلام المبنى كما كان عليه وضمان الحفاظ على هوية المعلم الأثري دون تشويه.
وتبقى قضية قصر الزهراوي اختباراً لمدى التزام الجهات المعنية بالمعايير الدولية والمحلية للترميم الأثري، والشفافية في إدارة الأملاك العامة والتاريخية، وسط مطالب متزايدة من أبناء حمص بإيقاف أية أعمال غير مفسرة وإعادة القصر إلى مساره الوظيفي والثقافي الصحيح.






