"تربة ابن المسجف".. معلَم أيوبي يُصارع تجريف الاستثمار في دمشق
فارس الرفاعي-عروبة:
في وقتٍ تتجه فيه الأنظار نحو الحفاظ على الهوية المعمارية والآثار التاريخية للمدن العريقة، تثار في العاصمة السورية دمشق حالة من القلق والجدل الأثري والحضاري، إثر محاولات ومساعٍ تمسّ أحد أقدم المعالم الأيوبية في منطقة كفرسوسة والبساتين المتاخمة لها، وهي "تربة ابن المسجف العسقلاني" المعروفة تاريخياً بـ "قبة الشيخ عبد الرحمن".
القصة لا تتعلق بنزاع عقائدي أو تجاذب صوفي وسلفي؛ فالمطالبة بالحفاظ على هذا المعلم الأثري ينطلق من مبدأ كليّ مفاده أن "تغيير أماكن الآثار أو المساس بها هو جريمة ثقافية بحق الذاكرة الجمعية للمدينة"، بصرف النظر عن أي محاولات لشرعنة النقل أو التعديل تحت ذريعة المشاريع الاستثمارية والتطوير العقاري.
معالم تبتلعها الحداثة
ويعود تاريخ بناء هذه التربة إلى العصر الأيوبي وتحديداً عام 617 هجرية (الموافق لـ 1220 - 1221 ميلادية)، حيث جُددت عمارة التربة على يد بدر الدين عبد الرحمن، وتتألف معمارياً من قبة مخموسة محاطة برقبة تتوضع على أربعة عقود، يزنرها من الداخل شريط محفور من الآيات القرآنية المكتوبة بخط أيوبي جلي ومقروء.
وعلى مر العقود والسنوات، تعرض هذا المعلم الأثري لاختناق عمراني متدرج؛ فبعد أن كان المقام يقع بمهابة على ضفة جدول "مزاز الشيخ عبد الرحمن" الذي كان يسقي بساتين كفرسوسة، تحول المجرى المائي إلى جدول عليل، وجرى تطويق الأثر التاريخي ليصبح محشوراً في خاصرة أحد فنادق النجوم الخمسة ومحاطاً بتصوينات خرسانية.
واليوم، تتصاعد المخاوف من خطوة أشد خطورة تتمثل في اقتلاع ونقل التربة أو إزالتها كلياً بداعي التطوير الاستثماري والاستملاك التجاري.
من هو ابن المسجف؟
تكتسب "تربة ابن المسجف" أهميتها التاريخية لكونها من الآثار النادرة التي تتقاطع في تاريخها ودقة توثيقها كبرى المراجع التاريخية والخطط الدمشقية، ومن أبرز هذه المصادر التي وثقت الأثر وصاحبه: كتاب "منادمة الأطلال ومسامرة الخيال" لابن بدران إذ تطرق المؤلف في الجزء الأول (صفحة 352) إلى توثيق الموقع بوضوح قائلاً: "تربة المسجف هي بالمزة..."، موثقاً موقعه التاريخي في بساتين المزة وكفرسوسة.
واستعرض كتاب "فوات الوفيات" لابن شاكر الكتبي أيضاً ترجمة وسيرة الأديب والشاعر عبد الرحمن بن أبي القاسم بن غنائم الكناني العسقلاني (المعروف بـ ابن المسجف، المتوفى سنة 635هـ)، والذي دُفن في التربة بجانب ولده زكي الدين أبي القاسم المتوفى سنة 615 هـ.
وكان ابن المسجف أديباً وشاعراً طريفاً له مكانته ورسومه لدى الملوك والأمراء في عصره. وأفرد كتاب "الدارس في تاريخ المدارس" للنعيمي الذي يُعد المرجع الأساسي والأهم في توثيق المدارس والترب والأربطة الأيوبية والمملوكية في دمشق، ذكراً دقيقاً لتربة ابن المسجف وتاريخ إنشائها وتطورها المعماري.
تساؤلات حول الهوية
وبحسب متخصصين في تاريخ العمارة الدمشقية فإن ما يحدث اليوم يُعيد إلى الأذهان تحذيرات أساتذة العمارة والآثار السابقة، الذين حذروا مراراً من وصول آليات الجرف ("التركسات") إلى النقاط الأثرية الشاهدة على تاريخ المدينة.
ويطرح الشارع المهتم بالآثار الدمشقية أسئلة ملحة: لماذا يتركز الضغط التجاري والاستثماري على إزاحة المعالم الأثرية التاريخية في دمشق تحديداً؟
وإلى أي مدى يُسمح للمشاريع الاستثمارية الاستثمارية بتجريف القيمة الثقافية والإنسانية للعاصمة لصالح الأسمنت والكتل الخرسانية؟
ولعل حماية الآثار الدمشقية، سواء كانت ترباً أو مدارس أو تكايا، ليست مجرد الحفاظ على حجارة قديمة، بل هي صيانة للهوية العمرانية والتاريخية لأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، أمام تجريف لا يرحم الذاكرة ولا الحجر كما حصل في سوق ساروجة وسط دمشق وفي عدد من المدن السورية الأخرى .












