قبرص في قلب التحول الأوروبي.. كيف يُنهي "الميثاق الجديد للهجرة" عصر السياسات الفضفاضة؟
فارس الرفاعي- عروبة:
لطالما ظلّ ملف اللجوء في القارة الأوروبية لسنوات طويلة يُدار ضمن إطارٍ نظري يُجسّد مفهوم "المؤسسة الخيرية"؛ حيث ساد انطباعٌ بأن كل من يدّعي التعرض للخطر يحق له تدفق الحدود، والإقامة غير القانونية، والاستفادة من المساعدات والرعاية الاجتماعية. غير أن هذا النظام، الذي عانى لعقود من التناقضات الصارخة بين القوانين الوطنية للدول الأعضاء وبطء الإجراءات وتراكم آلاف الملفات التي لا تملك أي فرص واقعية للقبول، يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية تُنهي عصر السياسات الفضفاضة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير تحليلي نشره موقع "سبروس تايمز" Cyprus Times القبرصي عن ملابسات التحول الجذري في السياسة الأوروبية للهجرة، بالتزامن مع استعداد الاتحاد الأوروبي لتطبيق "الميثاق الجديد للهجرة واللجوء"، والمرتقب دخوله حيز التنفيذ في 12 يونيو المقبل.
التوازن بين التسريع وصون الحقوق
وفقاً لما أورده موقع "سبروس تايمز"، يأتي الميثاق الجديد مرفقاً بأول قائمة أوروبية مشتركة للدول الأصلية الآمنة، والتي تضم دولاً مثل: بنغلاديش، كولومبيا، مصر، الهند، كوسوفو، المغرب، وتونس، إلى جانب مجموعة من الدول المرشحة للانضمام للاتحاد وفق شروط محددة.
وأوضح التقرير أن إدراج بلد ما ضمن تصنيف "البلد الآمن" لا يعني تجريد طالب اللجوء من حقه في تقديم الطلب؛ إذ إن تجريده التلقائي يتنافى صراحة مع القانون الأوروبي والمعاهدات الدولية (مثل اتفاقية جنيف لعام 1951). بل يهدف هذا التصنيف إلى: "تسريع معالجة الطلبات: الانطلاق من افتراض رئيسي مفاده عدم وجود خطر عام للاضطهاد أو تهديد أمني جسيم في تلك الدول".
وإتاحة هامش الإثبات الفردي من خلال الاحتفاظ بحق المتقدم في تقديم أدلة تثبت وجود خطر حقيقي وشخصي يهدد حياته في حال عودته".
وأكدت التغطية الإعلامية للـ "سبروس تايمز" أن جوهر نظام اللجوء صُمِّم أساساً لحماية المعرضين للاضطهاد بسبب عقائدهم أو هوياتهم أو من يواجهون خطر التعذيب والسجن والسفر المباشر نحو الموت، وليس ثغرة قانونية للهجرة الالتفافية لمن يسعون للاستقرار دون استيفاء معايير الدخول الشرعي.
ضغوط أرقام قياسية ونموذج السوريين
ولا تُعد هذه التغيرات مجرد نقاشات نظرية بالنسبة لجزيرة قبرص، بل تشكل واقعاً ديمغرفياً وأمنياً ضاغطاً. وحسب المعطيات التي نقلها "سبروس تايمز":
وسجلت قبرص خلال النصف الأول من عام 2026 ثاني أعلى نسبة لطلبات اللجوء في أوروبا قياساً بعدد السكان، بواقع 1731 طلباً لكل مليون نسمة، لتأتي مباشرة بعد اليونان.
وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في الأعداد مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن الطلبات المعلقة بلغت زهاء 13500 طلب خلال فصل الصيف، وهو رقم يمثل عبئاً ثقيلاً على كاهل الأجهزة الإدارية لبلد صغير الحجم.
تحولات الملف السوري
يُشكل الملف السوري نموذجاً بارزاً لتطورات المشهد القبرصي؛ ففي أعقاب التغيرات الأخيرة ونقل السلطة في دمشق سحب نحو 5200 سوري طلباتهم أو تنازلوا عن وضع الحماية الفرعية وعادوا إلى بلادهم طوعاً.
و رفضت السلطات القبرصية ما يقرب من 2000 طلب لجوء لسوريين في الفترة الممتدة من بداية عام 2025 حتى يونيو 2026.
ومع ذلك، يلفت تقرير "سبروس تايمز" نقلاً عن "دائرة اللجوء الأوروبية" (EUAA) إلى أن هذا التطور لا يعني إعلان سوريا "بلداً آمناً بالكامل"؛ فالأوضاع لا تزال تتفاوت بشكل كبير بين منطقة وأخرى، والمخاطر لا تزال قائمة بالنسبة لفئات ومستهدفين محددين.
وفي سياق متصل، ألقى "سبروس تايمز" الضوء على التصريحات الأخيرة للرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس بشأن الحكم الصادر عن "المحكمة الإدارية للحماية الدولية".
وأشار الرئيس خريستودوليدس إلى أن المحكمة أيدت شرعية السياسة الحكومية القاضية بسحب وضع الحماية الدولية في الحالات التي تشكل إخلالاً بالنظام العام والأمن القومي.
وتعود تفاصيل القضية إلى مواطن سوري لديه سجلاً من السوابق الجنائية؛ حيث أجرت السلطات تقييماً فردياً لوضعه ولبيئته الأصلية في مدينة اللاذقية، وبناءً عليه رأت المحكمة أن إلغاء "الحماية الفرعية" إجراءٌ قانونيٌّ متسق مع معايير الدراسة الفردية، دون أن يعني ذلك إعلان سوريا ككل دولة آمنة.
شبكات التهريب ورهان "الأمر الواقع"
وتُبرز التحليلات الميدانية التي أوردها "سبروس تايمز" أن المتضرر الأكبر من إطالة أمد البتّ في الطلبات واستهلاك سنوات في النظر في ملفات غير مستوفية للشروط هو "اللاجئ الحقيقي"؛ إذ يتشارك الخدمة والموارد ذاتها مع من يستغلون طول الإجراءات لتمديد إقاماتهم.
ورصد التقرير المومى إليه ظاهرة تتصل بآلاف الوافدين من دول آسيوية وأفريقية لا يواجهون أخطاراً أمنية أو سياسية في بلدانهم، إلا أنهم يعتمدون على ثغرات التعقيد القانوني للبقاء لسنوات. ومع مرور الوقت، يسعون لفرض "واقع إنساني" يُصعّب ترحيلهم عقب إنجابهم أطفالاً وتأسيس أسر داخل قبرص.
ورغم تفهم البعد الإنساني لهذه الحالات، يرى التقرير أن قبرص والاتحاد الأوروبي لا يمكنهما التحول إلى ملاذ مفتوح لمن يعتبر أوروبا مجرد "فندق مدعوم"، محمّلاً شبكات تهريب البشر المسؤولية المباشرة عن تغذية هذه الأوهام واستغلال الثغرات.
ووفق مراقبين فإن "تحدي الهجرة واللجوء في أوروبا وقبرص لا يكمن في معادلة المبالغة في منح اللجوء أو التضييق المطلق عليه، بل يكمن في القدرة على التمييز السريع: الفصل بين من يستحق الحماية الفعالية وبين من يستغل النظام.
والحزم الإداري عبر رفض الطلبات غير المحقة في أوقات قياسية لمنع تحويل مؤسسة اللجوء إلى هدف للاستغلال.
ولعل المعايير التي يقدمها "الميثاق الأوروبي الجديد" تؤكد ألا تناقض بين تسريع الإجراءات وحماية حقوق الإنسان؛ إذ يمكن لرفض الطلبات العارية عن الصحة أن يسير جنباً إلى جنب مع توفير ملاذ آمن لمن يواجهون خطراً حقيقياً على أرواحهم وحرياتهم.












