رصاصةُ المكتب المغلق: شهادة نجل غازي كنعان تُعيد فتح "الصندوق الأسود" للنظام البائد 

فارس الرفاعي-عروبة:

 في الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 2005، تلقت وسائل الإعلام اتصالات تلفزيونية وإذاعية خاطفة نقلت تصريحاً نادراً لوزير الداخلية السوري الأسبق، اللواء غازي كنعان. انتهت تلك المكالمة بعبارة اختصرت المشهد السياسي الإقليمي برُمّته: "أعتقد أن هذا آخر تصريح يمكن أن أقدم عليه". وبعد دقائق معدودة، أُعلن عن مقتله داخل مكتبه في دمشق عبر إطلاق نار في الفم، بحسب التقرير الرسمي لدائرة القضاء والأمن السوري.

لم تكن حادثة رحيل رجل بحجم غازي كنعان مجرد حدث أمني عابر؛ بل شكلت زلزالاً سياسياً ألقى بظلاله على دمشق وبيروت والمنظمة الدولية، فاتحاً باباً واسعاً من التساؤلات التي لم تُغلق حتى اليوم: هل أقدم الصندوق الأسود للنفوذ السوري في لبنان على الانتحار، أم أن المنظومة صفّت رجلها لحماية أسرار أعمق؟

وفي شهادة غير مسبوقة كشف نجل كنعان تفاصيل ساعات الدراما الأخيرة

في مقابلة متلفزة على شاشة قناة الغد  و أدلى يعرب غازي كنعان، نجل اللواء الراحل، بشهادة استثنائية كشفت للمرة الأولى تفاصيل اللحظات والحركة الأخيرة لجمود وخفايا المشهد:

وأكد يعرب صحة الرواية التي أشارت إلى أنه توجه فور تبلغه بنبأ تعرض والده لإطلاق نار إلى مستشفى الشامي وهناك، بعد إبلاغه بنبأ الوفاة من الضابط "أبو زياد ، أُصيب بصدمة شديدة وضرب بيده بلوراً مضاداً للرصاص مما أدى لكسر يده

وجود قيادات أمنية بارزة:

وكشف يعرب عن تواجد كل من ماهر الأسد وحافظ مخلوف داخل المشفى في تلك اللحظات، مشيراً إلى أنه صرخ حينها بحالة انفعال شديد موجهاً كلامه لوالده المتوفى: "قتلوك.. قتلوك.. ما قلنا لك سافر لبرا"..

 وعقب مغادرته المشفى، توجه يعرب إلى منزل والده في حي المالكي بدمشق لتتبع الاتصالات الأخيرة التي أجراها والده من مكتبه المنزلي، وعند رفعه للسمعة لاكتشاف آخر المكالمات عبر خاصية التكرار (Redial)، تفاجأ بأن جميع الخطوط الهاتفية (الثلاثية والرباعية الخاصة) كانت مقطوعة تماماً وتفتقر لأي حرارة.

تغيرات مسلكية وسرعة قيادة غريبة

زأشار نجل كنعان إلى أن والده أخذ في ذلك اليوم -ولأول مرة في تاريخه- بندقية معه كما قاد سيارته متوجهاً إلى مقر وزارة الداخلية بسرعة فائقة وغير معتادة لدرجة أن عناصر شرطة المرور لم يتمكنوا من التنسيق اللاسلكي السريع لمواكبة مروره.

وكشفت شهادة نجل كنعان الكواليس التي سبقت المداخلة الشهيرة لوالده مع الإعلامية ورده في إذاعة "صوت لبنان":

وجاءت اتصالات كنعان كيدٍ ردّية على تقرير بثته قناة "الجديد" اللبنانية قبل يوم من الحادثة، يتهمه بالتورط في ملفات فساد وتحويلات مالية.

وتوجه كنعان صباحاً إلى القصر الرئاسي والتقى بالمخلوع بشار الأسد ليُعرب عن رغبته الصارمة في الرد إعلامياً للدفاع عن كرامته، إلا أن الأسد لم يُشجع تلك الخطوة واعتبرها غير ذات جدوى.   

وعقب ذلك، أجرى كنعان اتصالاً بمدير مكتب الرئاسة (سليم دعبول)، مؤكداً له أن القضية "تمس كرامته وشرفه" ولا يمكنه السكوت عنها ليقوم بعدها مباشرة بإجراء مداخلته التلفزيونية والإذاعية الأخيرة.

ملفات الفساد والخلافات السياسية

وأوضحت شهادة يعرب كنعان أن حادثة الرحيل لم تكن مقطوعة عن السياق، بل جاءت بعد تراكم سلسلة طويلة من الخلافات الحادة بين والده والقيادة السورية منذ عودته من لبنان إلى دمشق .

وحاول غازي كنعان فتح ملفات شائكة تتصل بفساد قطاعات المورد المالي والقضاء والجمارك حيث قوبل برفض شديد من أطراف داخل السلطة بدعوى "أن التوقيت غير مناسب" .

وعندما أوقف كنعان متورطين في قضايا الجمارك والمالية، كانت أجهزة نافذة تفرّج عنهم بعد أيام قليلة .

وتفاقم التوتر بين كنعان والقيادة السورية حول طريقة إدارة الملف اللبناني، ولا سيما ملف تمديد ولاية الرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود.

ولتكتمل الصورة الصحفية، لا يمكن فصل حادثة كنعان عن ثقل موقعه التاريخي والتطورات الإقليمية:

حاكم لبنان الفعلي 1982- 2002))

وعلى مدار عشرين عاماً، أدار كنعان من مقره الشهير في بلدة عنجر البقاعية الخارطة السياسية والأمنية للبنانيين؛ يربط التوازنات، ويضبط التحركات السياسية في حقبة ما بعد الحرب الأهلية، قبل استدعائه لدمشق ليتولى شعبة السياسي ثم وزارة الداخلية.

وجاء رحيل كنعان بعد أسابيع قليلة من خضوعه للاستجواب من قبل لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة برئاسة القاضي الألماني "ديتليف ميليس" في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وقبل أيام قليلة من صدور التقرير الإجرائي الأول للجنة.