الصدف الدمشقي ينطق في بيروت.. خزانة "الغوطة" تفضح مستور "التعفيش"

فارس الرفاعي-عروبة:

لم تكن مهابة الظهور السياسي التقليدي هي ما خطف الأبصار في إطلالة رئيس حزب التوحيد العربي اللبناني، وئام وهاب، خلال مقابلته التلفزيونية الأخيرة، بل تفصيلة صغيرة في الخلفية أثارت عاصفة رقمية لا تهتك ستر الديكور فحسب، بل تنبش في جراح الذاكرة السورية المكلومة. قطعة أثاث دمشقية أصيلة، مطعمة بالصدف والموزاييك، تحولت فجأة إلى نجمة المشهد، وباتت مادة لقصة تتداخل فيها السياسة، والذكريات العائلية المفقودة، وثقافة النهب المنظم التي عرفت في سنوات الحرب السورية بـ "التعفيش".

قصة القطعة التي أثارت الجدل

بدأت الحكاية عندما لاحظ ناشطون ومتابعون سوريون قطعة أثاث دمشقية فاخرة تظهر بوضوح في خلفية المكان الذي أُجريت فيه المقابلة مع وهاب. لم تكن مجرد قطعة عادية، بل تحفة تراثية نادرة تحمل بصمة صناعة الحرف اليدوية العريقة في دمشق.

ولم تمض سوى ساعات حتى ضجت منصات التواصل الاجتماعي برواية تفيد بأن مواطناً سورياً (من منطقة ريف دمشق، وتحديداً الغوطة) قد تعرّف بدقة على الخزانة، مدعياً عبر منشورات وحسابات شخصية أنها سُرقت من منزله إثر العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة، لتطير بعدها إلى خارج الحدود وتستقر في صالون السياسي اللبناني المعروف بمواقفه المتحالفة مع السلطة في دمشق. وبحسب الروايات المتداولة، فإن القطعة وصلت إلى وهاب كهدية من قِبل ضباط نافذين، وخصوصاً من عناصر مرتبطة بالفرقة الرابعة، وهو ما فتح باباً واسعاً من التساؤلات المشروعة: كيف تتحول تحفة منزلية تخص عائلة سورية بسيطة إلى ديكور خلفي لبرامج سياسية تُبث من بيروت؟

خلفية المشهد: ما هو "التعفيش"؟

ولإدراك حجم الغضب الذي أثارته هذه الصورة، لا بد من العودة إلى سياق أوسع عُرفت به سنوات الحرب السورية الطويلة. مصطلح "التعفيش" — وهو مصطلح محلي مشتق من كلمة "عفش" أي الأثاث — وُلد في كواليس الفوضى والسيطرة العسكرية على المدن والبلدات الثائرة أو المحاصرة، مثل الغوطة الشرقية، ريف حمص، حلب، وغيرها.

ولم يقتصر التعفيش على سرقة الأجهزة الكهربائية والمقتنيات الشخصية للمهجرين، بل امتد ليشمل قطع التراث السوري العريق، من خزائن الصدف والموزاييك الدمشقي، والسجاد الإيراني، واللوحات الفنية، وحتى أحجار المنازل القديمة. وقد تحولت هذه الممارسات إلى اقتصاد ظل تجاري وثقافي متكامل، تقوده شبكات من المجموعات الرديفة والضباط الفاسدين، الذين جعلوا من ممتلكات المدنيين السوريين "هدايا دبلوماسية وسياسية" تُهدى لحلفائهم في لبنان وخارجه، لتوثق بالبصريات ما عجزت عنه التقارير الرسمية.

مرآة الشارع السوري الغاضب

وأثار ظهور الخزانة موجة واسعة من التعليقات الحادة على منصات التواصل الاجتماعي، تراوحت بين السخرية اللاذعة، والشتائم، والدعوات القانونية للمطالبة بحق المالك المسلوب. وقد عكست التعليقات شعوراً عميقاً بالقهر والظلم حيال مصير الممتلكات الشخصية للسوريين:

  ودعا بعض المعلقين صاحب القطعة الأصلية للتحرك الجدي، حيث كتب "يوسف يونس العبدالله": "يخرب بيتك طلعت حرامي.. نرجو من الأخ صاحبها يرفع دعوى مباشرة". وذهب "هيثم هاني" إلى أبعد من ذلك بالقول: "ياريت صاحب القطعة يرسل صور لها قبل التعفيش لأنه موديلها نادر".

وانتقد معلقون آخرون التداخل بين التحالفات السياسية وعمليات النهب المنهجي، حيث كتبت Sham Sham رابطة الموقف السياسي بالأحداث الميدانية بالقول: "وقت نزل رجاله لقتال الشعب السوري قام بتعفيش الغوطة الشرقية...". وأضاف Mahmad Mahmad مقارناً المشهد بالمشهد العام في البلاد: "إذا هاد سارق موزاييك، الوزراء عنا سرقوا الدهب والآثار والنفط".

ورغم انتشار الرواية بكثافة وتداول صور الخزانة جنباً إلى جنب مع مطالبات أصحابها، يظل هذا السجال محصوراً حتى الآن في إطار "الاتهامات الرقمية" والتراشق عبر الفضاء الافتراضي، غياباً لأي تحقيق قضائي رسمي أو توضيح من قِبل وئام وهاب نفسه.

وبحسب مراقبين فإن هذه الحادثة تبدو أكثر من مجرد "قصة أثاث"; إنها رمز مكثف لآلام مرحلة تاريخية كاملة، تروي فيها قطعة صدف دمشقية مهملة قصة ملايين السوريين الذين فقدوا ليس فقط بيوتهم وذكرياتهم، بل رأوها تتصدر شاشات الفضائيات في بيوت حلفاء من صنعوا مأساتهم.