شهادة طوني حنا: عندما يتحول الخلاف الفني إلى "تثبيت تهمة" لدى النظام البائد.

فارس الرفاعي-عروبة:

تشكل شهادات الفنانين والمبدعين العرب وثائق تاريخية وثقافية تكشف عن أساليب الهيمنة والملاحقة الأمنية التي مارستها السلطة السياسية والأمنية خلال عهدي حافظ الأسد وبشار الأسد ضد الشخصيات الفنية المستقلة.

وتأتي تصريحات الفنان اللبناني القدير طوني حنا خلال لقائه المتلفز على قناة (الجديد) لتعيد فتح ملف "القوائم السوداء"، ومنع الفنانيين من دخول سوريا، وكيفية توظيف النفوذ والوشايات الفنية والتنسيق الأمني لحرمان القامات الفنية من الجمهور السوري.

ملف فبركة التهم وشائعة "تمزيق العلم"

وفي معرض حديثه عن تجربته الصعبة مع السلطات السورية في ثمانينيات القرن الماضي، كشف طوني حنا عن تعرضه لقرار منع رسمي من دخول الأراضي السورية امتد لأربعة أو خمسة أعوام متتالية. وتعود تفاصيل الحادثة إلى مشاركته في مظاهرة ومسيرة سلمية أقامتها الجالية اللبنانية والعربية في ولاية ميشيغان بالولايات المتحدة الأمريكية، رُفعت خلالها شعارات ومطالب تُندد بالتدخلات العسكرية والوجود السوري في لبنان آنذاك.

ورغم أن حنا أكد مشاركته الإنسانية والدينية من خلال ترديد ترنيمة ودعاء لسلامة لبنان ("يا عذراء لينا ضلي طلي على الأرض الخضرا")، إلا أن تقارير أمنية رُفعت إلى نظام الأسد في دمشق تضمنت تهمة مفبركة مفادها قيامه بتمزيق العلم السوري علانية خلال التظاهرة.

وحسب شهادة حنا  لبرنامج "مساحة خاصة" الذي يعده الإعلامي "علي ياسين"     فإن الفنان دريد لحام لعب دوراً محط شك وتساؤل في نقل وتثبيت هذا التقرير لدى رأس النظام السوري حافظ الأسد؛ بسبب خلافات وإشكاليات رافقت تنظيم حفلات فنية في الولايات المتحدة وتراجع الحضور الجماهيري.

 وقد أدى هذا التقرير الوارد من الوسط الفني والأمني إلى صدور قرار فوري بمنع طوني حنا من الدخول إلى سوريا وإلغاء عقوده الفنية المقررة حينها في فندق الشيراتون بدمشق.

رسالة خطية إلى حافظ الأسد ومراجعة الملف الأمني

وأوضح حنا أن القرار لم يقتصر على المنع الشخصي فقط، بل امتد لحظر إذاعة وبث أغانيه عبر وسائل الإعلام الرسمية السورية. وأمام هذا التضييق، قام حنا بتوجيه رسالة خطية رسمية إلى حافظ الأسد عبر شخصيات مقربة وأصدقاء في دمشق ينفي فيها التهمة الموجهة إليه.

وعقب الرسالة، تم استدعاء حنا واستصدار إذن بدخوله إلى دمشق، حيث استُقبل في مكتب اللواء محمد الخولي (أحد أبرز قادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في عهد حافظ الأسد). وشهد اللقاء استعراض ملف أمني ضخم جمعته الأجهزة الأمنية حول تحركات الفنان ونشاطه الفني في دول المغترب. وبعد مراجعات وتدخلات، سُمح لحنا بإعادة نشاطه الغنائي واستئناف حفلاته في سوريا.

أبعاد التضييق السياسي

ووفق متابعين تُسلط هذه الشهادة الضوء على طبيعة العلاقة المعقدة والمأزومة بين الفن والنظام السياسي في سوريا خلال العقود الأخيرة، والتي تتلخص في النقاط التالية: الرقابة الأمنية العابرة للحدود عبر تتبع نشاط الفنانين والمبدعين اللبنانيين والعرب في دول الاغتراب (أوروبا وأمريكا) وربط حضورهم الفني داخل سوريا بمدى التزامهم السياسي أو تجنبهم الانخراط في أي نشاط مناهض.

وتوظيف الوشايات والمحسوبيات  من خلال الاعتماد على التقارير الفردية والوشايات الشخصية لربط الفن بالولاء السياسي، وتحويل الخلافات المهنية والشخصية إلى تهم تمس "أمن الدولة".

واشتراط الولاء للحصول على المساحة الفنية وفرض معادلة القبول والترحيب مقابل أداء أغاني وأعمال تمجد السلطة أو الرموز السياسية، وهو ما أشار إليه حنا بمرارة عند حديثه عن الظروف والضغوط التي كانت تفرضها المرحلة.