شاهدٌ حجريّ غيَّبه الغموض: من سرق "تمثال السبع" من جوار جامع خالد بن الوليد؟
فارس الرفاعي-عروبة:
تختزن المدن التاريخية في تفاصيل ساحاتها ومعالمها البصرية رموزاً لا تُقاس بقيمتها المادية فحسب، بل بحجم حضورها في الوجدان الجمعي لساكنيها.
وفي مدينة حمص، مثّل "تمثال السبع" (الأسد) القابع أمام جامع الصحابي الجليل خالد بن الوليد أحد تلك المعالم التي شكّلت شاخصاً تراثياً وشاهداً عينياً على تحولات المدينة العمرانية والجمالية على مدى أكثر من نصف قرن. غير أن هذا المعلم الأصيل غاب عن المشهد، مخلّفاً وراءه أسئلة مفتوحة حول ملابسات اختفائه ومصير ذاكرةٍ بصرية استقرت في قلوب الحمصيين وزوارهم.
وأُقيم التمثال في موقعه المتميز قبالة المسجد عام 1959م، وذلك في سياق نهضة تنظيمية وجمالية شهدتها البلديات السورية خلال منتصف القرن العشرين، بهدف تزيين الساحات العامة والنوافير بمعالم تستوحي عناصر البيئة والتاريخ المحليين.
ونُحت التمثال بإتقان من الحجر البازلتي الصلب ليجسد هيئة أسد رابض تتدفق من فمه المياه على شكل نافورة هندسية، مما أضفى على ساحة الخالدية ومحيط الجامع طابعاً حيوياً ورونقاً خاصاً.
إغفال الهوية التشكيلية
وكما هو حال العديد من الأعمال الزخرفية والميدانية في تلك المرحلة، لم تسجل الوثائق الرسمية اسم النحات أو الصانع الذي أبدع التمثال؛ إذ كانت الأعمال تُنفذ غالباً بإشراف دوائر الأشغال العامة وبأيدي حرفيين ونحاتين محليين دون تدوين أسائهم على النصب الميدانية نفسها.
وتحول التمثال على مر العقود إلى أيقونة بصرية مرجعية لزوار حي الخالدية وجامع سيف الله المسلول، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من الصورة الذهنية واليومية للمدينة.
ملابسات الاختفاء ودواعي الجدل
وتعرض هذا المعلم السياحي الهام لرحلة طويلة من العبث والإهمال انتهت بذوبانه من الفضاء العام، وهو ما فتح الباب أمام قراءات وتساؤلات متعددة حول أسباب وغايات اختفائه:
وتسبب اضطراب الظروف وغياب التقارير الإدارية الموثقة في تعذر تحديد التاريخ الدقيق لرفع التمثال أو الجهة المباشرة التي أشرفت على نقله أو إزاحته من موقعه.
وتُشير الشهادات المحلية واستطلاعات المهتمين بالتراث إلى أن النصب الحجرية والبازلتية في ساحات حمص لم تكن بمعزل عن محاولات التعدي والسرقة، حيث تعرضت عدة معالم للتخريب أو التجارة غير المشروعة في فترات الانفلات الأمني وطمس الهوية الحضارية.
من يقف خلف تغييب تمثال السبع
ولا يزال السؤال يتكرر بين أهالي المدينة والمهتمين بالتوثيق التراثي: "من يقف خلف تغييب تمثال السبع؟"، وسط اتجاه معظم التكهنات نحو عصابات السطو والعبث بالممتلكات العامة التي استغلت الفوضى لسرقة هذا الإرث البصري.
ولعل غياب "تمثال السبع" من محيط جامع خالد بن الوليد لا يُمثّل مجرد اقتطاع لقطعة حجرية من ساحة عامة، بل هو بترٌ لجزئية أصيلة من الذاكرة الشفوية والبصرية لمدينة حمص.
ويبقى هذا الملف بانتظار مساعٍ توثيقية وأهلية جادة تكشف عن مصيره، أو تعمل على إعادة استحضاره وترميمه، صوناً لهوية المدينة وحفاظاً على معالمها التي شكلت وجدان أجيال متعاقبة.












