السجن 42 شهراً للهاكر السوري "أحمد عمر آغا " ... إسدال الستار على أطول ملاحقة قضائية لقرصان نظام الأسد.
فارس الرفاعي-عروبة:
أسدل الستار على واحدة من أطول الملاحقات القضائية في تاريخ الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود، بعد أن أصدرت محكمة فيدرالية في المنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا حكماً بالسجن لمدة 42 شهراً ( 3 سنوات ونصف) بحق الهاكر السوري "أحمد عمر آغا" المعروف في عالم الفضاء السيبراني باسم "Th3Pr0"، وذلك بعد إدانته بتنفيذ حملات اختراق واسعة النطاق امتدت لأكثر من عقد كامل، مستهدفاً وسائل إعلام عالمية، ومؤسسات مالية، وكيانات حكومية أمريكية ودولية.
وبحسب وثائق رسمية نُشرت عبر موقع وزارة العدل الأمريكية (.justice)، فإن آغا تورط في مؤامرة إلكترونية معقدة تم توجيهها وإدارتها مباشرة من الدائرة المقربة من رأس النظام السوري البائد، وبإشراف مباشر من قيادة مديرية المخابرات العامة السورية.
من الربيع العربي إلى إسقاط الأسواق
وتُظهر البيانات المنشورة على موقع justice أن النشاط الإجرامي لـ "آغا" امتد في الفترة ما بين 24 أغسطس/آب 2011 و31 يناير/كانون الثاني 2024.
وخلال هذه الفترة، نفذ القرصان السوري عمليات اختراق واستهداف لنحو 47 جهة مختلفة، شملت وسائل إعلام غربية، وشركات تكنولوجيا، ومنظمات غير حكومية، وهيئات حكومية أمريكية وحليفة.
وكان الهدف الرئيسي لهذه الحملات السايبرانية يتركز في ثلاثة أبعاد استراتيجية:
معاقبة وإسكات الصحافة الحرة: التي وثقت انتهاكات وفظائع النظام السوري البائد خلال أحداث الربيع العربي والحرب الدموية التي تلتها.
كما كان الهدف الترهيب والحرب النفسية عبر بث الخوف والبلبلة في صفوف المعارضة السورية وتزييف الحقائق عبر منصات الاختراق.
والتجسس وإثارة التمرد من خلال جمع معلومات استخباراتية لصالح المخابرات السورية، واستهداف أفراد الجيش الأمريكي ومحاولة تحريضهم على عصيان الأوامر العسكرية.
التغريدة التي هزت مؤشر "داو جونز"
ومن بين أبرز العمليات التي وثقها الادعاء العام الأمريكي ووردت تفاصيلها عبر موقع .justice، الاختراق الشهير الذي نفذه آغا في 23 أبريل/نيسان 2013 عندما تمكن من اختراق الحساب الرسمي لوكالة أنباء عالمية مرموقة على منصة "تويتر" (X حالياً)، ونشر تغريدة كاذبة تدعي إصابة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في انفجارين استهدفا البيت الأبيض.
وتسببت تلك التغريدة المزيفة في حالة هلع خاطفة في الأسواق المالية العالمية، أسفرت عن انهيار مفاجئ لمؤشر "داو جونز" الصناعي وخسارة مؤقتة قُدرت بـ 137 مليار دولار من قيمة الأسهم في دقائق معدودة.
وفي وقت لاحق، تفاخر آغا بهذه العملية في مقابلة مع موقع Business Insider، مؤكداً أن الهدف كان إحداث ضربة اقتصادية كبرى وأن العملية حققت "انتصاراً كبيراً" لفريقه.
استهداف الجيش الأمريكي والبيت الأبيض
ولم تقتصر عمليات "Th3Pr0" على المجال الإعلامي والمالي؛ بل امتدت لتصطدم مباشرة بالأمن القومي الأمريكي إذ تمكن آغا من اختراق الشركة المستضيفة لموقع التجنيد الخاص بقوات مشاة البحرية الأمريكية (US Marine Corps)، وقام بإعادة توجيه الزوار إلى سيرفر خارجي يعرض صوراً ورسائل تحث الجنود الأمريكيين على رفض الأوامر العسكرية والقتال إلى جانب الجيش السوري. وقد شاهد هذه الرسائل الموجهة نحو 3500 زائر محتمل لموقع التجنيد.
وحاول آغا في مناسبتين السيطرة على الحسابات الرسمية للبيت الأبيض على منصات التواصل الاجتماعي عبر تصيد إلكتروني (Phishing) لسرقة بيانات دخول موظفي البيت الأبيض، ونجح في إحدى المرات في اختراق بريد إلكتروني لموظف واستخدامه في محاولة محبكة للوصول إلى الحسابات الرسمية.
خسائر مالية باهظة للضحايا
وأوضحت ملفات القضية المتاحة على موقع .justice أن الهجمات تسببت في أضرار مالية وتنفيذية جسيمة للضحايا ومنها شركة خدمات إعلانية إلكترونية (الشركة "G") التي تكبدت خسائر بلغت نحو 35000 دولار يومياً على مدار 6 أشهر متواصلة لإصلاح الأضرار.
كما طالت الأضرار منظمة غير حكومية عالمية: اضطرت لإنفاق أكثر من 480 ألف دولار لإعادة هيكلة أمنها السيبراني، وشراء أجهزة مراقبة جديدة بتكلفة 250 ألف دولار، مع إعادة تدريب أكثر من 800 موظف.
الذاكرة الطويلة للعدالة الأمريكية
وتعقيباً على الحكم، صرّح المسؤولون في وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عبر موقع .justice ببيانات حازمة حيث قال "جون أ. أيزنبرغ"- (مساعد المدعي العام للأمن القومي)-: "استغل آغا مهاراته لخدمة نظام الأسد وإسكات التقارير التي تكشف فظائعه. هجماته تشكل اعتداءً على حرية الصحافة وأمننا القومي والاقتصاد.
وأضاف :"هذا الحكم يذكر الجميع بذاكرة قسم الأمن القومي الطويلة في ملاحقة قراصنة الإنترنت المدعومين من الدول."
وبدورها قالت "ثيوفاني ك. ستاموس" (النائبة الأولى للمدعي العام في فرجينيا):
"حماية بنيتنا التحتية وأسواقنا المالية أمر بالغ الأهمية، وسنلاحق قضائياً أي شخص يعرض الأنظمة التي تعزز أمننا القومي للخطر." وعلق "بريت ليثرمان" (مدير عمليات مكافحة الجرائم السيبرانية بـ FBI):
"بعد أكثر من عقد من الزمن قضاه هارباً، حُكم على آغا اليوم بالسجن الفيدرالي. مكتب التحقيقات الفيدرالي لا ينسى أبداً من يستهدفون الأمريكيين."
وأعرب "دارين ب. كوكس" (مساعد مدير مكتب الـ FBI في واشنطن) عن اعتقاده بأن "الحكم يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاستهداف الإلكتروني للمؤسسات والصحفيين سيعاقب عليه فاعله مهما طالت مدة محاولة الإفلات من العقاب."
شبكة الاختراق ومصير الشركاء
وتعود الجذور القضائية لهذه الحملة إلى 12 يونيو/حزيران 2014عندما صدرت شكوى أولية بحق آغا وشريكه الرئيسي فراس دردار، لتتبعها لائحة اتهام رسمية في 17 مايو/أيار 2018.
وتُشكل الحكم الصادر بحق أحمد عمر آغا محطة ختامية في ملف استغلال الأمن السيبراني لحماية الأنظمة الاستبدادية وقمع حرية التعبير، ومؤشراً على قدرة أجهزة إنفاذ القانون الدولية على تعقب الجرائم الرقمية حتى بعد مرور سنوات طويلة على ارتكابها.












