محاكمة أب ألماني-سوري احتجز طفليه كـ «ورقة ضغط» مالية ضد زوجته
فارس الرفاعي-عروبة:
بدأت الدائرة الجنائية الخامسة (بصفتها محكمة أحداث) في محكمة الولاية الإقليمية بمدينة باد كرويتسناخ (ولاية راينلاند بالاتينات) محاكمة رجل ألماني من أصل سوري يبلغ من العمر 45 عامًا، في قضية جنائية معقدة تتصل باختطاف قاصرين واحتجاز رهائن بالقوة، في محاولة – بحسب لائحة الاتهام – لإجبار زوجته السابقة على السفر إلى سوريا وتطليقها وفق أحكام الشريعة الإسلامية، مما يجرّدها من حقوقها المالية والنفقة بموجب القانون الألماني.
ووفق موقع allgemeine تعود وقائع الجريمة إلى تموز/يوليو 2024، عندما أقنع المتهم زوجته – التي كان قد بدأ الانفصال عنها – بموافقته على تنظيم رحلة عائلية أخيرة برفقة ابنتها (17 عاماً حينها) وابنها الصغير (7 أعوام). وكان الاتجاه المعلن هو قضاء عطلة وأداء مناسك الحج/العمرة في المملكة العربية السعودية.
ورغم تردد الأم في البداية، فإن تشجيع الابنة التي رغبت في أداء الشعائر الدينية برفقة والدها دفعها للموافقة. إلا أن الرحلة تحولت إلى كابوس؛ ففي الطريق إلى المطار، اكتشفت الابنة أن التذاكر حُجزت باتجاه العاصمة اللبنانية بيروت وليست السعودية. هناك، قام الأب بمصادرة جوازات سفر الطفلين وهواتفهما المحمولة، واقتادهما عبر شخص آخر بسيارة إلى مدينة حلب السورية.
وفي حلب، قام المتهم باحتجاز الطفلين داخل فندق، وسارع إلى استخراج بطاقات هوية سورية لهما مع استصدار أوامر رسمية بالمنع من السفر.
شهادة مؤثرة أمام المحكمة
وشهدت الجلسة شهادة الابنة (التي بلغت 18 عامًا حاليًا) وهي تنتحب، مؤكدة أن والدها كان يعاملهم بقسوة، وانتزع أخاها الصغير من بين ذراعيها لإرغامها على صعود السيارة المتجهة إلى حلب. كما ذكرت أن الأب هددها مرارًا بإيذاء والدتها إذا حاولت الهرب، ومارست الشرطة المحلية هناك ضغوطاً عليها للانصياع لوالدها.
الصراع على الطلاق والالتزامات المالية
ووفقاً للنيابة العامة وتغطيات إذاعية ومحلية (من بينها SWR وTagesschau)، كانت الغاية الأساسية للمتهم هي احتجاز الأطفال كـ«ورقة ضغط» لإرغام الزوجة على الحضور إلى سوريا والتوقيع على الطلاق هناك. ويرجع ذلك إلى أن الطلاق وفق القانون السوري أو الشريعة ينفي عن الزوج التزامات الدفع والنفقة ويحرم المرأة من مستحقاتها، مقارنة بالقانون الألماني الذي يفرض أحكاماً صارمة لحماية الزوجة والأطفال مالياً.
ورغم محاولة الأم الاستعانة بمهرب محترف من ألمانيا لإخراج طفليها من الفندق في حلب، إلا أن المحاولة فشلت في البداية بسبب غياب وثائق السفر وتدخل السلطات المحلية لإعادتهم إلى والد الموقوفين.
التدخل الدبلوماسي والقبض على المتهم
وشهدت القضية نقطة تحول عندما تمكنت الابنة من استخدام هاتف محمول مستعار للاتصال بوالدتها والسفارة الألمانية في الأردن، بالإضافة إلى السلطات الأمنية في ألمانيا. وبتنسيق أمني ودبلوماسي، نُقل الطفلان مؤقتاً للإقامة عند جديهما لأمهم في حلب.
في هذه الأثناء، قرر الأب العودة بمفرده إلى ألمانيا مغادراً حلب بعد أن قال لطفليه: "ستبقون هنا، ولن تعودوا إلى ألمانيا". وفور وصوله إلى الأراضي الألمانية، ألقت الشرطة القبض عليه. وتحت ضغوط التحقيق والوساطة القانونية في سوريا، أُجبر الأب على تسليم جوازات السفر وإلغاء حظر السفر الصادر بحق الطفلين.
وفي منتصف أغسطس/آب 2024، وعقب رحلة عذاب استمرت خمسة أسابيع، تمكن الطفلان من العودة إلى ألمانيا بمساعدة السفارة الألمانية في عمان.
وكان المتهم قد وصل إلى ألمانيا قبل نحو 12 عاماً، وعمل كميكانيكي سيارات في باد كرويتسناخ. وفي عام 2015، استقدم زوجته من سوريا، ونال لاحقاً الجنسية الألمانية إلى جانب جنسيته السورية.
وتم الطلاق بين الزوجين رسمياً وفق القانون الألماني، وتشارك الأم مع طفليها في المحاكمة كـ«مدعين مشاركين» (Nebenkläger). وأفاد المتهم بأنه يدفع النفقة لنجله الأصغر فقط ولا يتواصل مع أبنائه، مشيراً إلى أنه لا يملك أي سوابق جنائية مسجلة.
وأكد الخبير النفسي (يوشين جيرمان) أمام المحكمة أن الطفلين يعانيان من صدمة نفسية شديدة (Posttraumatische Belastungsstörung) نتيجة تجربة الاختطاف والتهديد.
عقوبات متوقعة وقرار قريب
وامتنع المتهم خلال الجلسة الأولى عن التعليق على التهم الموجهة إليه (اختطاف قاصرين واحتجاز رهائن)، مكتفياً بالرد على الأسئلة المتعلقة ببياناته الشخصية.
وتجدر الإشارة إلى أن تهمة "احتجاز الرهائن" بموجب القانون الجنائي الألماني (StGB § 239b) تُعد من الجرائم الجسيمة التي قد تصل عقوبتها في حال الإدانة إلى السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
وقد حددت الدائرة الجنائية الخامسة بمحكمة باد كرويتسناخ ثلاثة مواعيد أخرى لاستكمال الاستماع إلى الشهود والخبراء، على أن يتم النطق بالحكم النهائي في 11 نوفمبر/تشرين الثاني.












