خريف الألغام وحكاية "أبو مالك".. شهيد الواجب الذي فكك الموت ليحيا الآخرون
فارس الرفاعي-عروبة :
لم تقتصر معارك السوريين على سنوات المواجهة الكبرى في الميادين العسكرية وحدها، بل امتدت لتشكل حرباً صامتة وطويلة الأجل مع إرث ثقيل من الموت المستتر تحت التراب. وفي مشهد يتجدد فيه وفاء عائلات حلب لتضحياتها، ارتقى العنصر في وزارة الدفاع "محمد ربيع ستر" (المعروف بـ "أبو مالك")، ابن حي السكري الحلبي، شهيداً أثناء أداء واجبه في تفكيك وإزالة الألغام بريف مدينة عين عيسى في محافظة الرقة.
بين حلب والرقة: مسيرة تضحية لا تنتهي
ينحدر الشهيد "محمد ربيع ستر" من حي السكري العريق في مدينة حلب، وهو حي يمتلك أرشيفاً طويلاً من الصمود وتقديم التضحيات. لم يكن "أبو مالك" اسماً عابراً في سجلات الثورة؛ فهو ابن لشهيد، ومن عائلة قدمت عدداً من شبابها وأبنائها في ميادين التضحية والذود عن المدنيين خلال سنوات الثورة السورية في مواجهة نظام الأسد.
خرج أبو مالك من مدينته حلب مفعماً بروح المسؤولية الوطنية والإنسانية، ليحط رحاله في مناطق شمال وشرق سوريا، مختاراً أخطر الأعمال وأقساها بصمت وهدوء: هندسة إزالة الألغام.
بين حقول الرقة ودروبها الزراعية، كان "أبو مالك" يمشى خطوة بخطوة بين مخلفات الموت التي زرعها النظام البائد والميليشيات الإرهابية، ليؤمن الطرقات ويسمح للفلاح بالعودة إلى أرضه، والطفل إلى مدرسته، دون خوف من حتف مرتقب تحت أقدامهم.
حرب الألغام: مأساة مستمرة في الخفاء
تأتي حادثة استشهاد "محمد ربيع ستر" لتسلط الضوء مجدداً على المخاطر الجسيمة التي تواجهها فرق هندسة الطوارئ وإزالة الألغام في مختلف المناطق المحررة، من ريف دير الزور الشرقي (حيث سقط شهداء آخرون مثل الجندي يوسف إبراهيم حاج عبدالله في منطقة الميادين) وصولاً إلى سهوب الرقة وعين عيسى.
وتشكل حقول الألغام والمقذوفات غير المنفجرة أحد أخبث التحديات التي تعرقل الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية، حيث تحصد أرواح المدنيين والخبراء العسكريين على حد سواء، مما يجعل مهام عناصر مثل "أبو مالك" عملاً بطولياً من الدرجة الأولى يفتقر غالباً لصخب الأضواء الإعلامية، لكنه يترك أثراً باقياً في كل شبر آمن يعود للحياة.
وداع أخير في حي السكري
وشُيِّع جثمان الفقيد الطاهر اليوم السبت في تمام الساعة العاشرة صباحاً، حيث انطلق موكب التشييع من حي السكري (جانب فرن نور الدين - شارع جامع عائشة)، وسط مشاعر الحزن والفخر والاعتزاز بمسيرة رجل اختار طريق التضحية بصمت حتى آخر ثانية من عمره.
عائلات حلب، وفي مقدمتها عائلة "ستر"، تثبت يوماً بعد يوم أن جذور الانتماء للوطن وتلك الدماء الزكية التي سُفكت على درب الحرية والأمان، لا تذهب هباءً، بل تبني حجراً في صرح المستقبل.












