جدل الممارسات داخل المقام يجدد سجال التصوف والشرعية الدينية في درعا: إجراءات رسمية مرتقبة لتنظيم زيارة مقام الإمام النووي وسط تحذيرات من التفرقة
فارس الرفاعي-عروبة:
أثار مقطع مصور تداولته منصات التواصل الاجتماعي لمجموعة من الأشخاص يمارسون حركات دائرية وطقوساً صوفية داخل مقام الإمام النووي في مدينة نوى بريف درعا الغربي، موجة واسعة من الجدل والسجال الديني والمجتمعي في المنطقة؛ حيث تراوحت ردود الأفعال بين الرفض الشديد والمطالبة بتقييد تلك الممارسات، وبين التوضيح المؤسسي الداعي إلى التقيد بالضوابط الشرعية ومنع إثارة الخلافات.
ووفقاً للتسجيلات والمعلومات المتداولة، فإن الطقس الديني المشار إليه يُنسب إلى الشيخ غسان الطيار القادري ومريديه، حيث أوضح بعض المدافعين أن الممارسة ارتبطت برغبة المشاركين في التبرك بأثر يُنسَب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. في المقابل، اعتبر منتقدون هذه الأفعال -التي وصفها بعضهم بالطوافيات غير المشروعة حول المقام- ممارسات دخيلة ومخالفة لأصول الشريعة والسنة النبوية.
وفي أول تعليق رسمي، صرح الشيخ حامد أبازيد، مدير أوقاف درعا، بأن الفيديو المتداول لبعض الأشخاص وهم يطوفون حول المقام جرى "دون علم أو موافقة الوزارة"، واصفاً التصرفات بأنها أفعال فردية. وأكد أبا زيد أن المديرية ستعالج الأمر عبر الإجراءات الرسمية المناسبة، وستضع شروطاً وضوابط صارمة لتنظيم فتح المقام وزيارته مستقبلاً بما يوافق الضوابط الشرعية.
وأضاف مدير الأوقاف موضحاً مكانة صاحب المقام: "الإمام النووي رحمه الله تعالى هو إمامنا وعلم من أعلام هذه الأمة الإسلامية وهو لا يرضى هذه الأفعال بحال من الأحوال، فواجبنا أن نرحم الناس ونذكرهم بدين الله تعالى برحمة ولين على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أئمة الهدى ومصابيح الدجى من سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين."
وفي السياق ذاته، شدد الشيخ مطيع البطين على المكانة الفقهية والعلَمية الكبيرة للإمام النووي، داعياً إلى ضرورة التمسك بالوعي، والابتعاد عن الممارسات الدخيلة على ثقافة أهالي المنطقة وتدينهم، حرصاً على السلم الأهلي والتلاحم المجتمعي ومنع الفتن.
أهمية المقام
ولا تقتصر أهمية مقام الإمام النووي على كونه رمزاً دينياً لواحد من أبرز فقهاء ومحدثي الأمة الإسلامية، بل يعكس أيضاً ظاهرة معمارية وتاريخية تجذرت في بلاد الشام وحضارتها الإسلامية.
فمن الناحية التاريخية والمعمارية، تُعد المزارات والأضرحة ظاهرة معمارية متميزة انتشرت في المدن والعواصم الإسلامية عبر العصور المختلفة؛ حيث شُيّدت الأبنية المربعة ذات القباب الخضراء أو الملونة فوق مدافن ومقامات الأئمة والأمراء والصحابة لتخليد ذكرهم وتكريم مكانتهم. وتطورت هذه العمارة من الطابع الأيوبي والمملوكي -الذي تميز بقباب على أعناق مضلعة أو أبراج أسطولنية وبساطة تترافق مع التقشف والجمال الفني- لتغدو هذه المباني والمقامات تحفاً رمزية وأثرية تعكس تطور الفن الإسلامي وتاريخ المنطقة رغم ما واجهته عبر الزمن من تداعي وإهمال.
ولطالما ارتبط بناء هذه المشيدات في الثقافة الإسلامية بباب التقوى والزهد وتكريم العلماء، مع التزام الضوابط الشرعية التي تمنع التشبه بالطقوس الوثنية أو إخراج الزيارة عن مقصدها الشرعي الاعتباري. كما تضم العديد من المحافظات والقرى السورية، مثل حمص ودمشق وريف درعا، مجموعة كبيرة من هذه المقامات والمزارات المنتشرة في المساجد والمدارس الأثرية، مما يجعل أي حدث يتصل بها ذا بعد تراثي واجتماعي حساس يتجاوز حدود الحادثة الفردية.
تصاعد الخلاف ومخاوف التفرقة المجتمعية
وتأتي هذه الحادثة لتسلط الضوء مجدداً على السجال الديني القائم حول شرعية حضور الطقوس الصوفية وضوابط زيارة المقامات في المنطقة.
ويُذكر أن مقام الإمام النووي كان قد تعرض سابقاً للتفجير عام 2015 خلال سنوات الحرب، كما شهدت الفترات الماضية زيارات لشخصيات دينية بارزة، أعقبها جدل واعتراضات من أطراف متعددة حول حدود التعامل الشرعي مع المقام ومكانة صاحبه.
ويحذر شيوخ ووجهاء في المنطقة من استغلال هذه الحوادث الفردية لتحويل الخلاف الفقهي أو الصوفي إلى فتنة مجتمعية بين أبناء المنطقة؛ مؤكدين على أهمية الاحتكام إلى المؤسسات الرسمية وتطبيق الضوابط المعتمدة لفتح وتنظيم زيارة المقام، بما يحفظ حرمة المكان، ويرعى السلم الأهلي والتلاحم المجتمعي.












