علي ظاهر.. ربيع العمر الذي أطفأه الإهمال وبطء الإجراءات

فارس الرفاعي-عروبة:

في مشهد يتكرر كـ"كابوس" دائم داخل منظومة السجون اللبنانية، تحول قرار الإفراج عن الشاب علي ظاهر (27 عاماً) إلى نعش جرى نقله من مخفر الشويفات إلى مسقط رأسه في عكار. فبعد أكثر من عام على خلفية توقيفه، وفترة انتظار مريرة جراء التعقيدات الإدارية رغم شموله بقانون العفو، غادر علي الحياة متأثراً بعارض صحي غامض ومفاجئ، لم تفلح محاولات إسعافه في المستشفى بإنقاذه منها، ليترك خلفه غضباً عارماً وتساؤلات مشروعة حول جدوى القوانين إذا كانت أروقة الروتين أسرع من إنقاذ الأرواح.

البيروقراطية القاتلة: روتـين يعطل "العفو"

وبحسب المعطيات الحقوقية والمصادر المتابعة للقضية، كان من المفترض أن يستعيد علي ظاهر حريته ويعانق عائلته يوم الإثنين المقبل، مستفيداً من مرسوم العفو العام. غير أن الآلية البيروقراطية العتيقة والتعقيدات العبثية في الدوائر الرسمية والقضائية شكلت حائط صد أمام إتمام إجراءات إخلاء سبيله لأكثر من عشرين يوماً إضافية.

هذا التأخير المنهجي تحت ذرائع "استكمال الأوراق" و"تعدد المرجعيات"، جعل من العفو الذي أُقر لرفع الظلم، مجرد حبر على ورق، بل وتحول بنتيجة التأخير غير المبرر إلى ما يشبه "الحكم بالإعدام البطيء". فالشاب الذي انتظر التوقيع المنشود طويلاً، خرج من السجن جثة هامدة، ليفارق الحياة في أحد مستشفيات عكار التي نُقل إليها متأخراً بعد تدهور حالته الصحية داخل مخفر الشويفات.

الإهمال الصحي في المخافر: قنبلة موقوتة

وتُسلط حادثة وفاة الشاب علي ظاهر الضوء مجدداً على البيئة الكارثية داخل السجون ومخافر النظارة في لبنان، والتي تعاني من أزمات هيكلية مزمنة أبرزها:

الاكتظاظ غير الإنساني: حيث تتجاوز أعداد الموقوفين القدرة الاستيعابية للمخافر بأضعاف مضاعفة. والافتقار إلى الرعاية الطبية الفورية  إذ تغيب عن معظم مخافر النظارة التجهيزات الطبية والطواقم التمريضية المتخصصة للتعامل مع العوارض الصحية المفاجئة، ما يجعل الموقوفين تحت رحمة إهمال قاتل.

وبطء المحاكمات وهو العلة الأم التي تفاقم أزمة التوقيف الاحتياطي الطويل الذي يتجاوز أحياناً المدد القانونية المعقولة.

صرخة مدوية في وجه القضاء

أمام هذه الفاجعة، ترتفع الأصوات الحقوقية والشعبية مطالبة بتحرك فوري وحاسم. وفي مقدمة هذه المطالب، توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى مجلس القضاء الأعلى والجهات القضائية المعنية، معتبرة أن "العدالة المتأخرة هي ظلم مقنع".

وأكدت الفعاليات والمطالبون بالمحاسبة أن دماء علي ظاهر هي صرخة إدانة بوجه التقاعس الإداري والبطء في تعميم القرارات القضائية وتطبيقها. واعتبرت أن الاستهتار بأرواح السجناء تحت يافطة "الروتين الإداري" يمثل جريمة موصوفة تقتضي فتح تحقيق شفاف وفوري في ملابسات العارض الصحي الذي تعرض له الراحل داخل مخفر الشويفات، ومدى سرعة ونوعية التدخل الإسعافي الذي تلقاه. ومحاسبة كل متقاعس ومسؤول عن تعطيل إخلاء سبيله لأكثر من عشرين يوماً رغم شموله بالعفو. وإصدار آلية طارئة ومخففة لتنفيذ قرارات العفو وإخلاء السبيل فوراً، لمنع تكرار هذه المآسي الإنسانية، وحماية ما تبقى من كرامة إنسانية للموقوفين في السجون والنظارات اللبنانية.

رحل علي ظاهر وبقي توقيعه المنشود معلقاً على طاولات البيروقراطية، ليبقى سؤَالٌ واحد يتردد على ألسنة أهالي السجناء المفجوعين: إلى متى تبقى زنازين التوقيف مقابر لمن ينتظرون الحرية؟