10 بحارة سوريين يواجهون الموت البطيء على متن "سفينة مهجورة" في ميناء كونستانتسا الروماني
فارس الرفاعي-عروبة:
بين قسوة البرد القارس وغياب أدنى مقومات الحياة الإنسانية، تحولت سفينة الشحن "ميليتسا" (Militsa) القابعة في ميناء "كونستانتسا" الروماني على البحر الأسود، من وسيلة كسب عيش إلى "سجن عائم" يضم عشرة بحارة سوريين، تركوا لمواجهة مصير مجهول عقب تخلي مالك السفينة عنهم وتجريدها من علم الدولة التي كانت ترفعه.
ووفقاً لما أفادت به شبكة stirileprotv الرومانية يعيش الطاقم السوري على متن السفينة حالة مأساوية وتخلياً كاملاً منذ أربعة أشهر (تحديداً منذ تموز/يوليو الماضي)، حين وصلت السفينة إلى الميناء قادمة من بلغاريا لتحميل شحنة من الذرة. إلا أن الأمور أخذت منحنى كارثياً بعد التحفظ على السفينة، وانقطاع سبل التواصل مع مالكها الذي أعلن تنصله الفعلي من التزاماته.
وفي شهادة مؤلمة نقلها الميكانيكي على متن السفينة، "جعفر إسماعيل"، وصف واقع الحال قائلاً: "دخلنا في حالة انقطاع تام للتيار الكهربائي. ليس لدينا ما يكفي من الوقود لتشغيل المولدات، ولا توجد أي طريقة لتدفئة الكبائن وسط انخفاض درجات الحرارة. الجو بارد جداً، ولا نملك الملابس الكافية للوقاية. الوضع المالي لعائلاتنا في الوطن وصل إلى نقطة الصفر، فزوجتي لا تملك أي نقود للإنفاق على المنزل."
أزمة صحية وتوقف للرواتب منذ نيسان
ولم تتوقف معاناة الطاقم عند حدود البرد والظلمة، بل أمتدت إلى أزمة إنسانية وصحية متفاقمة؛ إذ لم يتقاضَ البحارة أجورهم منذ شهر نيسان/أبريل الماضي، مما أدى إلى شلل مالي تام لطاقم السفينة وأسرهم المعتمدة عليهم.
إلى جانب ذلك، يعاني عدد من أفراد الطاقم من مشكلات صحية معقدة بانتظار تدخل طبي عاجل. ويوضح البحار "يزن راكزه" طبيعة هذه المعاناة بقوله: "أعاني من آلام حادة وأحتاج إلى جراحة عاجلة في الأسنان منذ أكثر من ستة أشهر، فضلاً عن مضاعفات صحية في الكلى. الحياة هنا سيئة للغاية.. كل ما نطالب به هو العودة إلى ديارنا ورؤية أطفالنا وعائلاتنا."
من جانبه، أكد قبطان السفينة، "عبد الرحمن دلة"، أن العقود القانونية للطاقم منتهية بالكامل، وأن السفينة أضحت بلا هوية رسمية أو علم يرفرف عليها بعد تخلي المالك عنها، مناشداً الجهات المنظمة والمنظمات الدولية التدخل الفوري لإنقاذ الطاقم وتحريرهم من هذا الاحتجاز القسري.
"ظاهرة التخلي عن البحارة" جرح مفتوح في المياه الدولية
وتُسلط حادثة السفينة "ميليتسا" الضوء مجدداً على ظاهرة "التخلي عن البحارة" (Seafarer Abandonment)، وهي إحدى أكثر الجرائم الإنسانية شيوعاً في قطاع الملاحة البحرية والتجارية.
وحسب معايير منظمة العمل الدولية (ILO) والمنظمة البحرية الدولية (IMO)، تُصنف السفينة في حالة "تخلي" إذا فشل المالك في تغطية تكاليف إعادة الطاقم إلى أوطانهم، أو تركهم دون تقديم المؤن الأساسية والوقود والرعاية الطبية، أو تأخر عن دفع أجورهم لأكثر من شهرين.
وتشير نقابة البحارة الرومانية والمنظمات البحرية الحقوقية إلى أن إسقاط علم السفينة (Unflagged Ship) يضع الطاقم في ثغرة قانونية معقدة؛ حيث تقع المسؤولية المباشرة حينها على سلطات ميناء الدولة النازلة فيه (Port State Control)، التي يتعين عليها بحكم الاتفاقيات الدولية—ولا سيما اتفاقية العمل البحري (MLC 2006)—التدخل الإنساني لتوفير المؤن الطارئة والتغطية الطبية، وتسهيل إجراءات الترحيل الفوري للطاقم العالق على نفقة صناديق التأمين أو الجهات المعنية بالملاحة.
وتبقى معاناة البحارة العشرة في ميناء كونستانتسا برسم السلطات الرومانية والهيئات البحرية الدولية، في انتظار قرار سريع ينهي شهوراً من الضياع والتجويع في عرض البحر.












