«ألفا وطن».. سفينة سورية ابتلعها البحر الأسود وطاقمها في دائرة الغموض

فارس الرفاعي-عروبة:

لم يكن غرق سفينة الشحن «ألفا وطن» في البحر الأسود مجرد حادث بحري عابر، بل تطوراً مأساوياً أعاد تسليط الضوء على المخاطر المتزايدة التي باتت تهدد السفن التجارية في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

السفينة التي ارتبط اسمها بسوريا وطاقمها المؤلف بمعظمه من بحارة سوريين، كانت في رحلة بدأت من مصر باتجاه رومانيا، قبل أن تتعرض لأضرار بالغة إثر استهداف بطائرة مسيّرة في الجزء الغربي من البحر الأسود، لتنتهي رحلتها بالغرق داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا، على مسافة تقارب 70 ميلاً بحرياً شرق مدينة بيالا.

لكن الجانب الأكثر إيلاماً في الحادث لا يتعلق بالسفينة وحدها، وإنما بمصير أفراد طاقمها. فحتى الآن، لا توجد ـ وفق المعطيات الواردة عن نقابة البحارة السوريين ـ معلومات رسمية نهائية تثبت وفاة جميع المفقودين، فيما توقفت عمليات البحث الرسمية، الأمر الذي جعل البحارة في عداد المفقودين، وترك عائلاتهم أمام واحدة من أقسى حالات الانتظار.

من مصر إلى رومانيا.. الرحلة التي انتهت في البحر الأسود

وأظهرت بيانات حركة الملاحة التي أوردتها مصادر بلغارية أن «ألفا وطن» لم تكن في رحلة مباشرة من ميناء أوكراني عندما تعرضت للاستهداف، وهي نقطة أساسية لفهم ملابسات الحادث.، فالسفينة، التي تحمل الرقم الدولي IMO 7510884، بنيت عام 1975، وكانت تبحر تحت علم توغو وقت الرحلة الأخيرة، فيما تشير المعلومات المتوفرة إلى أنها وصلت إلى ميناء العريش المصري في 19 سبتمبر/أيلول، وغادرته في 21 سبتمبر متجهة إلى ميناء سولينا الروماني عند مصب نهر الدانوب.

وقبل ذلك، كانت قد زارت ميناء الإسكندرية مرتين خلال الشهر نفسه، في 13 سبتمبر، ثم بين 15 17- سبتمبر.

ومن مصر، اتخذت السفينة مساراً بحرياً تقليدياً باتجاه الشمال: عبرت البحر المتوسط، ثم المضائق التركية، ووصلت إلى بحر مرمرة، قبل أن تتابع طريقها إلى البحر الأسود. وفي 29 سبتمبر، أظهرت بيانات نظام التعريف الآلي للسفن «AIS» وجودها في بحر مرمرة، فيما كانت وجهتها المعلنة سولينا.

وبذلك، فإن المسار المعلن للرحلة كان واضحاً: مصر – البحر المتوسط – المضائق التركية – البحر الأسود – رومانيا، وليس من ميناء أوكراني إلى وجهة أوروبية.

وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة، لأن وقوع الهجوم على سفينة لا ترتبط رحلتها الأخيرة مباشرة بميناء أوكراني يفتح الباب أمام أسئلة إضافية حول طبيعة الاستهداف والجهة التي تقف وراءه.

ضربة مسيّرة ثم غرق

وبحسب المعلومات المتاحة، تعرضت «ألفا وطن» لهجوم بطائرة مسيّرة تسبب بأضرار هيكلية بالغة، جعلت السفينة غير قادرة على مواصلة رحلتها، قبل أن تغرق في المياه الواقعة ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة لبلغاريا.

ويفصل القانون الدولي بين المياه الإقليمية للدولة والمنطقة الاقتصادية الخالصة، إذ تمتلك الدولة الساحلية في الأخيرة حقوقاً اقتصادية محددة، فيما تبقى حرية الملاحة الدولية قائمة فيها. ولذلك فإن وقوع حادث أمني خطير داخل هذه المنطقة يكتسب أهمية تتجاوز حدود السفينة وطاقمها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة تشهد حرباً وهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة.

ووفق مراقبين فإن ثبوت تعرض السفينة للاستهداف لا يعني أن هوية الجهة التي نفذت الهجوم باتت محسومة. فالمعلومات المتوفرة حتى الآن لا تقدم دليلاً قاطعاً يسمح بنسبة الضربة إلى طرف بعينه.

وهنا تبرز ضرورة الفصل بين ما هو مؤكد وما يزال في إطار التحقيق، خصوصاً أن البحر الأسود تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تتقاطع فيها العمليات العسكرية مع حركة السفن التجارية، ما يجعل تحديد المسؤولية عن كل حادث مسألة تحتاج إلى أدلة ملاحية وفنية واستخباراتية مستقلة.

«سفينة سورية».. ولكنها كانت ترفع علم توغو

ومن التفاصيل التي تستحق التوضيح في تناول حادثة «ألفا وطن» أن وصفها بالسفينة السورية لا يعني بالضرورة أنها كانت مسجلة تحت العلم السوري.

فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن السفينة كانت تبحر تحت علم توغو أثناء رحلتها الأخيرة، بينما يرتبط وصفها بأنها «سورية» بملكيتها أو ارتباطها بجهة سورية، فضلاً عن جنسية غالبية أفراد طاقمها.

وهذا التفصيل ليس شكلياً، إذ إن الحوادث البحرية الدولية غالباً ما تتداخل فيها جنسية الطاقم مع جنسية المالك وعلم التسجيل وميناء الانطلاق والوجهة النهائية، ولكل منها دلالته القانونية والإجرائية.

 

وفي حالة «ألفا وطن»، تبدو الهوية السورية للحادث مرتبطة قبل كل شيء بالبحارة الذين كانوا على متنها، وبالصدمة التي أصابت عائلاتهم ومجتمع البحارة السوريين.

تسعة بحارة سوريين.. وبحار مصري

وفق المعلومات التي نشرتها نقابة البحارة السوريين، كان على متن السفينة تسعة بحارة سوريين، بينهم القبطان محمد نداف، والضابط الأول علي بلال، إضافة إلى عدد من أفراد الطاقم العاملين في الوظائف البحرية والفنية.

وتورد القوائم المنشورة أسماء: محمد نداف، علي بلال، طارق ملحم، عبد الله سليمان، سنان علي، رائد مرعي، غزوان الزيات، أحمد عزام عياش، إلى جانب بحار سوري تاسع لم يرد اسمه في القائمة المنشورة، فضلاً عن بحار مصري.

ومع توقف عمليات البحث الرسمية، أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لعائلات هؤلاء البحارة: ماذا حدث لهم بعد إصابة السفينة؟

حتى الآن، لا تملك نقابة البحارة ـ وفق توضيحها ـ أساساً يسمح بإصدار إعلان نهائي عن وفاة أفراد الطاقم. وأكدت النقابة أن ما ورد سابقاً عن «وفاة كامل الطاقم» كان المقصود منه الإشارة إلى عدم العثور على ناجين بعد توقف عمليات البحث، وليس إصدار حكم نهائي بوفاتهم.

وهذا التصحيح مهم للغاية، ليس فقط من الناحية الصحفية، وإنما من الناحية الإنسانية والقانونية أيضاً.

بين الخبر العاجل والحقيقة القانونية

وأثارت حادثة «ألفا وطن» إشكالية متكررة في تغطية الكوارث البحرية، وهي الانتقال السريع من خبر فقدان الأشخاص أو توقف عمليات الإنقاذ إلى إعلان وفاتهم.

 وتؤكد نقابة البحارة أن البحارة المفقودين ما زالوا، بالنسبة إليها، في عداد المفقودين إلى حين ورود نتائج أو معلومات رسمية تثبت مصيرهم. كما شددت على ضرورة عدم تداول معلومات غير مؤكدة من شأنها زيادة معاناة ذويهم.

أما ما يتعلق بالإجراءات القانونية الخاصة بإثبات الوفاة، فقد أشارت المادة المتداولة إلى أحكام المادة 41 من قانون الأحوال المدنية السوري وإلى مرور مدة محددة قبل إصدار حكم وفاة المفقودين في مثل هذه الحالات.

وفي جميع الأحوال، يبقى تحديد الوضع القانوني النهائي للبحارة المفقودين من اختصاص الجهات الرسمية والقضائية المختصة، ولا يمكن للخبر الصحفي أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي أن تحل محل ذلك.

وتأتي مأساة السفينة السورية في سياق أوسع من الحوادث التي شهدها غرب البحر الأسود خلال فترة زمنية متقاربة.

وتكمن أهمية هذه الحوادث المتقاربة في أنها تظهر أن المخاطر لم تعد محصورة بالقطع العسكرية أو السفن المرتبطة بصورة مباشرة بالعمليات القتالية، بل أصبحت تمس حركة النقل التجاري التي تعتمد عليها سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تبدو «ألفا وطن» حالة لافتة بصورة خاصة، لأن رحلتها الأخيرة بدأت من مصر، ولم تكن وفق البيانات المتاحة خارجة من ميناء أوكراني.

ولعل مأساة «ألفا وطن» تتجاوز حدود سفينة شحن واحدة أو طاقم واحد. فهي تعكس واقعاً أكثر خطورة باتت تواجهه الملاحة التجارية في البحر الأسود، حيث يمكن لسفينة مدنية أن تجد نفسها في منطقة نزاع أو بالقرب منها، وأن تتحول رحلة تجارية اعتيادية إلى كارثة خلال دقائق.

 والأخطر أن توسع نطاق المخاطر قد يجعل جنسية السفينة أو ميناء انطلاقها أو وجهتها أقل أهمية من موقعها الجغرافي في لحظة الهجوم.

وبالنسبة للسوريين، تحمل الحادثة وجهاً أكثر قسوة: سفينة ارتبط اسمها بسوريا، وطاقم غالبيته من البحارة السوريين، ورحلة بدأت من مصر وانتهت في مياه البحر الأسود، بينما بقي مصير عدد من أفراد طاقمها مجهولاً.

وفي انتظار ما قد تكشفه التحقيقات، تبقى الحقيقة الأكثر ثباتاً أن «ألفا وطن» غرقت بعد تعرضها لأضرار بالغة في البحر الأسود، وأن أفراداً من طاقمها ما زالوا في عداد المفقودين وفق موقف نقابة البحارة، وليس من الدقة تحويل هذا الغموض إلى إعلان نهائي عن الوفاة.

أما بالنسبة لعائلاتهم، فلا تزال القضية أبعد من خبر بحري عابر؛ إنها انتظار مفتوح لخبر قد يبدد الغموض، ويضع حداً لحالة الترقب التي بدأت مع غرق السفينة.